الخميس، 4 يونيو 2026

الجلوس الثمين

 


الرضا جنة الدنيا




الحمد لله رب العالمين الفعال لما يريد .. أنزل علينا خير كتبه وأرسل لنا أفضل رسله ؛ فأكمل لنا الدين وأتم علينا النعمة، حيث قال سبحانه وتعالي }اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا(3){ ]المائدة[.

وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له . .مقدر الأقدار ومسبب الأسباب ورافع السماء بغير عماد صاحب الفضل والجود والإنعام فقال تعالي }وما بكم من نعمة فمن الله (53){  ]النحل [

وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله وصفيه وخليله .. خير من رضي عن الله فقال (ﷺ): }ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبحمد نبيا ورسولا {

فاللهم صل علي سيدنا محمد وعلي آله الطيبين الطاهرين ،وعلى أصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .

أما بعد .... فيا أيها المؤمنون .

لقد أخذ كثير من الناس يبحثون عن السعادة ، فحسب البعض أن السعادة في المال والثراء ، والبعض الاخر تصور أن السعادة في أن يكون له بيت فاخر وسيارة فارهة، ومنهم من يعتقد أن السعادة في كثرة الأولاد والأحفاد ، أو تكون له وجاهة في المجتمع، أو يتبوأ أعلى المناصب ، ويظنها البعض الآخر في أن يتزوج امرأة ذات مال وجمال ودلال.. وللناس فيما يعشقون مذاهب, إن هذه المتع متع دنيوية زائلة من عاش لأجلها والتكثر منها ولم يبتغ غيرها لم يذق طعم السعادة الحقيقية وليس له في الآخرة من حظ ولا نصيب .

فالسعادة ليست في مال يجمعه الإنسان وإلا لسعد قارون، وليست في طلب الوزارة والمنصب ولو كانت كذلك لسعد هامان وزير فرعون، وليست في متعة دنيوية ما تلبث أن تنقضي .

فالسعادة هي جنة الأحلام التي ينشدها كل بشر، من الفيلسوف في قمة تفكيره وتجريده، إلى العامي في قاع سذاجته وبساطته ، ومن الملك في قصره المشيد، إلى الصعلوك في كوخه الصغير. ولا نحسب أحداً يبحث عن الشقاء لنفسه، أو يرضى بتعاستها.

هذه السعادة التي يتكلم عنها علماء السلف فيقولون: "لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نَحْنُ فيه من السعادة لجالدونا عليها بالسيوف" يعني: لو يعلم أصحاب الدنيا والمال والملك والجاه والسلطان لقاتلونا عليها، لأن السعادة في نظرهم هي التمتع بملاذ الدنيا من أكل وشرب ونساء، وهذه هي الغاية التي يريدونها من السعادة.

وفي ذلك يقول الإمام ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين: سمعت شيخ الإسلام

 ابن تيمية قدس الله روحه يقول : إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة

الآخرة"

 وقال بعض العارفين : إنه ليمر بالقلب أوقات أقول :" إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيش طيب " .

فأين هي إذن جنة الدنيا التي ينشدها كل إنسان والتي تتمثل في تحقيق الرضا فالرضا هو السعادة وهو جنة الدنيا ..

لذلك كان حديثنا عن }الرضا جنة الدنيا{ وذلك من خلال هذه العناصر الرئيسية التالية ....

1ـ حقيقة الرضا .

2ـ الفرق بين الصبر والرضا.

3ـ درجات الرضا .

4ـ شروط صحة الرضا.

5ـ فضل الرضا وأثره في الحياة .

6ـ نجوم علي طريق الرضا .

7ـ الطريق إلي الرضا.

العنصر الأول : حقيقة الرضا :

الرضا ضد السخط , ويُراد به : تقبُّل ما يقضي به الله ـ عز وجل ـ من غير تردد , ولا معارضة .

يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالي : الرضا باب الله الأعظم ، وجنة الدنيا من لم يدخله في الدنيا لم يتذوقه في الآخرة ومستراح العارفين وحياة المحبين ، ونعيم العابدين ، وقرة عيون المشتاقين . " 

الرضا ذروة سنام الإيمان:

قال أبو الدرداء رضي الله عنه: ذروة سنام الإيمان أربع خلال: الصبر للحكم، والرضا بالقدر، والإخلاص للتوكل، والاستسلام للرب عز وجل.

الرضا من أعمال القلوب : قال ابن القيم رحمه الله: الرضا من أعمال القلوب، نظير الجهاد من أعمال الجوارح، فإن كل واحد منهما ذروة سنام الإيمان.

وقيل الرضا :ارتفاع الجزع في أي حكم كان.

وقيل :رفع الاختيار وقيل استقبال الأحكام بالفرح . 

وقال ابن عطاء الله السكندري رحمه الله تعالى: "الرضا: نظر القلب إلى قديم اختيار الله تعالى للعبد، وهو ترك التسخط"

العنصر الثاني :الفرق بين الصبر والرضا :

الفرق بين الرضا والصبر أن الصبر : حبس النفس و كفها عن السخط مع وجود

الألم وتمني زواله ، وكف الجوارح عن العمل بمقتضى الجزع .

والرضا : يوافق الصبر في حبس النفس وكف الجوارح ، ويزيد عليه عدم تمني زوال الألم ، ففرح العبد بالثواب وحبه لله عز وجل وانشراح صدره بقضائه يجعله لا يتمنى زوال الألم.

قال طائفة من السلف إن الراضي لا يتمنى غير حاله التي هو عليها، بخلاف الصابر.

وقيل: الرضا أن يكون الرجل قبل نزول المصيبة راضٍ بأي ذلك كان والصبر، وأن يكون بعد نزول المصيبة يصبر، وأجيب عن هذا الأخير بأن هذا عزم على الرضا، وليس هو الرضا، فإن الرضا يكون بعد القضاء لا قبله، ومما يدل على علوِّ قدر الرضا أن النبي (ﷺ) سأل الله الرضا بالقضاء، ومعلوم أن النبي (ﷺ) لا يسال ربه إلا أعلى المقامات.

ولقد ضرب الصحابة الكرام رضي الله عنهم أروع الأمثلة في ذلك ....

قدم سعد بن أبي وقاص إلى مكة، وكان قد كُفَّ بصره، فجاءه الناس يهرعون إليه، كل واحد يسأله أن يدعو له، فيدعو لهذا ولهذا، وكان مجاب الدعوة.

قال عبد الله بن السائب: فأتيته وأنا غلام، فتعرفت عليه فعرفني وقال: أنت قارئ أهل مكة؟ قلت: نعم.. فقلت له: يا عم، أنت تدعو للناس فلو دعوت لنفسك، فردَّ الله عليك بصرك. فتبسم وقال: يا بُني قضاء الله سبحانه عندي أحسن من بصري.

إنه الرضا الذي وطَّنوا أنفسهم عليه، بحيث صارت أقدار الله عز وجل أحبَّ إليهم من هوى أنفسهم، بل صاروا لا يهوون غيرها، حتى قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: ما لي هوىً في شيء سوى ما قضى الله عز وجل.

العنصر الثالث : درجات الرضا :ـ

الدرجة الأولي :

 رضا العامة . وهو الرضا بالله ربا ، وتسخط عبادة ما دونه ، وهذا قطب رحى الإسلام . وهو يطهر من الشرك الأكبر .

الرضا بالله ربا : أن لا يتخذ ربا غير الله تعالى يسكن إلى تدبيره . وينزل به حوائجه . قال الله تعالى : قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء ) ]الأنعام[ .

قال ابن عباس رضي الله عنهما : سيدا وإلها . يعني فكيف أطلب ربا غيره ، وهو رب كل شيء ؟ وقال في أول السورة    ( قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض ) الأنعام .

يعني معبودا وناصرا ومعينا وملجأ . وهو من الموالاة التي تتضمن الحب والطاعة ، وقال في وسطها (أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا ) ]الأنعام[ .

أي : أفغير الله أبتغي من يحكم بيني وبينكم ، فنتحاكم إليه فيما اختلفنا فيه ؟ وهذا

كتابه سيد الحكام ، فكيف نتحاكم إلى غير كتابه ؟ وقد أنزله مفصلا ، مبينا كافيا شافيا .

وأنت إذا تأملت هذه الآيات الثلاث حق التأمل ، رأيتها هي نفس الرضا بالله ربا ، وبالإسلام دينا ، وبمحمد (ﷺ) رسولا ، فكثير من الناس يرضي بالله ربا ولا يبغي ربا سواه لكنه لا يرضي به وحده وليا وناصرا .

بل يوالي من دونه أولياء ظنا منه أنهم يقربونه إلي الله وأن موالاتهم كموالاة خواص الملك وهذا عين الشرك . بل التوحيد : أن لا يتخذ من دونه أولياء . والقرآن مملوء من وصف المشركين بأنهم اتخذوا من دونه أولياء .

وكثير من الناس يبتغي غيره حكما يتحاكم إليه ويخاصم إليه ويرضي بحكمه وهذه المقامات الثلاث  هي أركان التوحيد : أن لا يتخذ سواه ربا ، ولا إلها ، ولا غيره حكما .

الدرجة الثانية :

الرضا عن الله وهو رضا العبد بما يفعله الله معه ،وهو الرضا عنه في كل ما قضى وقدر .

إنه الرضا بربوبيته سبحانه المتضمن الرضا بتدبيره وتقديره ، وأن ما أصاب العبد لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه ، وإذا رضي العبد بربوبية الله وألوهيته فقد رضي عنه ربه .. وإذا رضي عنه ربه فقد أرضاه وكفاه وحفظه ورعاه ، وقد رتب الباري سبحانه في محكم التنزيل في غير آية رضاه عن الخلق برضاه عنه ، فقال في عدة آيات :} ... رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ ... (119){ ]المائدة[.

لذلك أنت حينما ترضى عن الله فهذا يقين منك ، وقد ورد عن سيدنا علي رضي الله عنه أن " الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين "

وروي أن أمير المؤمنين علياً قال: "يا ابن آدم، لا تحمل هم يومك الذي لم يأت، على يومك الذي أتى، فإنه إن يكن في عمرك، يأتك الله فيه بمحبتك، واعلم أنك لن تكسب شيئاً سوى قوتك، إلا كنت فيه خازناً لغيرك بعد موتك".

وهذا شريح القاضي يحمد الله على المصيبة أربع مرات , قال شريح: إني لأصاب بالمصيبة، فأحمد الله عز وجل عليها أربع مرات، أحمده إذ لم تكن أعظم مما هي، وأحمده إذ رزقني الصبر عليها، وأحمده إذ وفقني للاسترجاع، لما أرجو فيه من الثواب، وأحمده إذ لم يجعلها في ديني .

الدرجة الثالثة :

الرضى برضى الله : فلا يرى العبد لنفسه سخطا ولا رضا، مع أمر الله تعالي .

العناصر الرابع : شروط صحة الرضا :

 الأول: استواء النعمة والبلية عند العبد: لأنه يشاهد حُسنَ اختيار الله له.

ومن هذا الباب ما حدث مع بعض السلف حين ابتلوا بالشدائد فصبروا لها، وظهر منهم الرضا، وأيقنوا أن المنع قمة العطاء من الله تعالي ، قال سفيان الثوري رحمه الله: "مَنْعُه عطاء".

وذلك أنه لم يمنع عن بُخل ولا عدم، وإنما نظر في خير عبده المؤمن، فمنعه اختيارًا وحُسْنَ نظر.

فإن الله عز وجل لا يقضي لعبده المؤمن قضاء إلا كان خيرًا له، ساءه القضاء أو سره.

فقضاؤه لعبده المؤمن المنع عطاء، وإن كان صورة المنع، وبلاؤه عافية وإن كان في صورة بلية.

ولكن لجهل العبد وظلمه لا يعد العطاء والنعمة والعافية إلا ما التذَّ به في العاجل، ولو رزق من المعرفة حظًا وافرًا لعدَّ جميع ما قضاه الله عز وجل وقدر نعمة وعطاء وعافية، وهذه كانت حال السلف.

فهذا عمر بن عبد العزيز يموت ولده عبد الملك فيدخل عليه سليمان بن الغاز معزيًّا، فيقول له عمر: "وأنا أعوذ بالله أن يكون لي محبةٌ في شيء من الأمور يخالف محبة الله، فإن ذلك لا يصلح لي في بلائه عندي وإحسانه إليَّ".

قال سفيان الثوري يوماً عند العابدة رابعة العدوية: اللهم ارض عنا، فقالت: أما تستحي أن تسأله الرضا عنك وأنت غيرُ راضٍ عنه!!

كم واحد منا غيرُ راضٍ عن الله ولو قال بلسانه ألف مرة: رضيت بالله رباً!!

فقال: أستغفر الله. فقال لها أحدُ الجلوس: متى يكون العبد راضياً عن  الله؟! اسمع يا عبد الله حقيقة الرضا بالله ثم احكم على نفسك، فقالت: إذا كان سرورُه بالمصيبةِ مثل سروره بالنعمةِ.

الثاني: سقوط الخصومة عن الخلق :

إلا فيما كان حقًّا لله ورسوله، فالمخاصمة لحظ النفس تطفئ نور الرضا وتُذهب بهجته، وتُبدِّل بالمرارة حلاوته، وتُكدِّر صَفْوه.

الثالث: الخلاص من الإلحاح في مسألة الخلق:

 قال الله تعالى: {يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلونَ النَّاسَ إِلْحَافاً(273)}... ]البقرة[.

وعن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ﷺ) : "من يتقبل لي بواحدة وأتقبل له بالجنة قال: قلت: أنا قال: لا تسأل الناس شيئاً".

فكان ثوبان يقع سوطه وهو راكب فلا يقول لأحد: ناولنيه حتى ينزل فيتناوله.... [رواه أحمد].

الرابع : ترك الاختيار قبل القضاء ( قبل الاستخارة ) .

الخامس : فقدان المرارة بعد القضاء بالحمد والشكر .

السادس : دوام محبة الله تعالي في القلب بعد وقوع الابتلاء .

العنصر الخامس: فضل الرضا وأثره في الحياة:

1ـ الرضا جنة الدنيا :

فالرضا نعمة روحية جزيلة هيهات أن يصل إليها جاحد بالله أوشاك فيه أو مرتاب في جزاء الآخرة إنما يصل إليها من قوي إيمانه وحسن اتصاله به وقد خاطب الله تعالي رسوله (ﷺ) بقوله }فَٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ قَبۡلَ طُلُوعِ ٱلشَّمۡسِ وَقَبۡلَ غُرُوبِهَاۖ وَمِنۡ ءَانَآيِٕ ٱلَّيۡلِ فَسَبِّحۡ وَأَطۡرَافَ ٱلنَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرۡضَىٰ (130){ ]طه[.

إن من وطَّن نفسه على الرضا عاش في الدنيا حياة طيبة، ولم تعرف الهموم والأكدار إلى قلبه سبيلاً، كيف وقد رضي الله عنه ورضي هو عن الله؟

إن الله عز وجل يقول: }مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَنُحۡيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةٗ طَيِّبَةٗۖ وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ (97){ ] النحل[

وقد فسرها بعض السلف بأنها حياة الرضا والقناعة.

ولهذا لما قال عمر بن الخطاب لزوجته عاتكة رضي الله عنهما: (والله لأسوأنك - وكان قد غضب عليها - فقالت: أتستطيع أن تصرفني عن الإسلام بعد إذ هداني الله له؟ قال: لا. قالت: فأيُّ شيء تسؤني به إذًا؟)

تريد أنها راضية بمواضع القدر لا يسؤها منه شيء إلا صَرْفُها عن الإسلام ولا سبيل له إليه.

إن شعور الإنسان بالرضا من أول أسباب السكينة النفسية التي هي سر السعادة.

وفي الحديث الشريف:.عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن رسول الله(ﷺ)  } مِنْ سعادةِ ابنِ آدمَ استخارتُه اللهَ، ومن سعادة ابن آدم رضاه بما قضاه الله، ومن شقوة ابن آدم تركه استخارة الله، ومن شقوة ابن آدم سخطه بما قضى الله عز وجل{ ] أخرجه أحمد ، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) بلفظه، والترمذي [

2ـ عزة النفس والقناعة والتحرر من رق المخلوقين:

فالمؤمن بالقدر يعلم أن رزقه مكتوب ، وأنه لن يموت حتى يستوفي رزقه، ويدرك كذلك ان الله حسبه وكافيه ورازقه ، وأن العباد مهما حاولوا إيصال الرزق له، أو منعه عنه فلن يستطيعوا إلا بشيء قد كتبه الله، فينبعث بذلك إلى القناعة وعزة النفس، والإجمال في اطلب، وترك التكالب على الدنيا، والتحرر من رق المخلوقين ، وقطع الطمع مما في أيديهم، والتوجه بالقلب إلى رب العالمين ، وهذا أساس فلاحه ورأس نجاحه.

3ـ تذوق حلاق الإيمان :

فالرضا من مكملات الإيمان بالله عز وجل . واسمع إلي ما رواه  ابْنِ مَسْعُودٍ ، عَنِ النَّبِيِّ (ﷺ) ، أَنَّهُ قَالَ : } لا تُرْضِيَنَّ أَحَدًا بِسَخَطِ اللَّهِ ، وَلا تَحْمِدَنَّ أَحَدًا عَلَى فَضْلِ اللَّهِ ، وَلا تَذِمَّنَّ أَحَدًا عَلَى مَا لَمْ يُرِدِ اللَّهُ ، فَإِنَّ رِزْقَ اللَّهِ لا يَسُوقُهُ إِلَيْكَ حِرْصُ حَرِيصٍ ، وَلا يَرُدُّهُ عَنْكَ كُرْهُ كَارِهٍ ، وَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ بِقِسْطِهِ وَعَدْلِهِ جَعَلَ الرَّوْحَ وَالرَّاحَةَ ، وَالْفَرَحَ فِي الرِّضَا وَالْيَقِينَ ، وَجَعَلَ الْهَمَّ وَالْحُزْنَ فِي السَّخَطِ وَالشَّكِّ {. ]مسند الشهاب[

ولن يجد العبد حلاوة الإيمان إلا بهذا: يقول النبي (ﷺ):} ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمدٍ رسولا {.. ]رواه الترمذي[ .

4ـ مغفرة الذنوب :

عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ (ﷺ) أَنَّهُ قَالَ: }مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ الْمُؤَذِّنَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ{.]رواه مسلم[

5ـ  البشارة بالجنة :

 قال (ﷺ) من قال : }رضيت بالله ربّا وبالإسلام دينا وبمحمدٍ رسولا وجبت له الجنة { ]رواه أبو داود[ .

8ـ حقا علي الله أن يرضيه :

قال (ﷺ) }من قال حين يصبح وحين يمسي (رضيت بالله ربّا وبالإسلام دينا وبمحمدٍ نبيا ورسولا كان حقا علي الله أن يرضيه {

إن للرضا حلاوة تفوق حلاوة وعذوبة دونها كل عذوبة ، وله من المذاق النفسي والروحي والقلبي ما يفوق مذاق اللسان مع الشهد المكرر

فأعظم فضل يحظى به الإنسان هو رضا الله تعالي علي عبده فهو أكبر من الجنات رفع الله الرضا فوق جنات عدن كما رفع ذكره فوق الصلاة 

( ولذكر الله أكبر ) . فرضوان رب الجنة أعلي من الجنة بل هو غاية مطلب سكان الجنان .

 ولذلك قال الله تعالى : }وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ(72){ ]التوبة[

وقال النبي (ﷺ): } إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ : يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ ، فَيَقُولُونَ : لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ . فَيَقُولُ : هَلْ رَضِيتُمْ ؟ فَيَقُولُونَ : وَمَا لَنَا لَا نَرْضَى يَا رَبِّ وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ . فَيَقُولُ : أَلَا أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ ! فَيَقُولُونَ : يَا رَبِّ وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ ؟ فَيَقُولُ : أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا { ]رواه البخاري، ومسلم[  .

العنصر السادس : نجومٌ ساطعة على طريق الرضا :

كان السلف رضي الله عنهم يتواصون بالرضا وتربية النفس عليه، لعلمهم بعلو

منزلته، فهذا عمر الفاروق رضي الله عنه يكتب إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه فيقول: (أما بعد، فإن الخير كله في الرضا، فإن استطعت أن ترضى وإلا فاصبر).

وكان من وصايا لقمان عليه السلام لولده: (أوصيك بخصال تقربك من الله وتباعدك من سخطه: أن تعبد الله لا تشرك به شيئًا، وأن ترضى بقدر الله فيما أحببت وكرهت) .

فهذه بعض النجوم الساطعة علي طريق الرضا ....

1ـ النبي (ﷺ) لما مات ولده إبراهيم  وكان عمره 62 سنة وكان يمر به علي بيوت الصحابة ويقول انظروا إلي إبراهيم ، كان يقول إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن وإن لفراقك يا إبراهيم لمحزونون ولا نقول إلا ما يرضي الله إن لله وإن إليه راجعون . جمع النبي(ﷺ)  بين مقام الرحمة ومقام الرضا .

2ـ عمران بن حصين رضي الله عنه وأرضاه، هذا الصحابي الجليل الذي شارك مع النبي في الغزوات، استسقى بطنه فبقي نائمًا على ظهره طريح الفراش ثلاثين سنة لا يقوم ولا يقعد، حفروا له في سريره -وكان من جريد النخل- حفروا له فتحةً لقضاء حاجته، فدخل عليه مطرِّف بن الشخير فجعل يبكي لما يراه من حاله، فقال له عمران: لم تبكي؟! قال: لأني أراك على هذه الحالة العظيمة، قال: لا تبكِ فإنَّ أحبه إلى الله تعالى أحبُه إليَّ، ثم قال: أحدثك حديثاً لعل الله أن ينفع به، واكتم عني حتى أموت، إن الملائكةَ تزورني فآنَسُ بها وتسلِّمُ عليَّ، فأعلمُ بذلك أن هذا ليس بعقوبة بل هو نعمةٌ جسيمة. هكذا فهموا معنى الإيمان والرضا بالرحيم الرحمن. يقولون: رضينا بالله صدقاً وحقاً.

3ـ عروة بن الزبير، فقد توفى ابنه وفاةً غاية في الصعوبة إذ دهسته الخيل بأقدامها، وقُطِعت قدم عروة في نفس يوم الوفاة، فاحتار الناس على أي شيءٍ يعزونه.. على فقد ابنه أم على قطع رجله؟

فدخلوا عليه، فقال: "اللهم لك الحمد، أعطيتني أربعة أعضاء.. أخذت واحدًا وتركت ثلاثة.. فلك الحمد؛ وكان لي سبعة أبناء.. أخذت واحدا وأبقيت ستة.. فلك الحمد؛ لك الحمد على ما أعطيت، ولك الحمد على ما أخذت، أشهدكم أنِّى راضٍ عن ربي " .

4ـ السيدة صفية بنت عبد المطلب؛ والتي قتل أخوها سيدنا حمزة بن عبد المطلب، ومثِّل به ومضغت هند بنت عتبة كبده، وجاء أبو سفيان ووضع الحربة في فمه وأخذ يدقُّها حتى تشوَّه وجهه رضي الله عنه.. استمع إلى رواه ابن إسحاق عن هذا المشهد، يقول: وقد أقبلت صفية بنت عبد المطلب لتنظر إليه، وكان أخاها لأبيها وأمها، فقال رسول الله (ﷺ) لابنها الزبير بن العوام: القها فأرجعها، لا ترى ما بأخيها، فقال لها: يا أمه إن رسول الله (ﷺ) يأمرك أن ترجعي، قالت: ولم؟ وقد بلغني أنَّه مُثِّل بأخي، وذلك في الله، فما أرضانا ما كان من ذلك، لأحتسبن ولأصبرن إن شاء الله؛ فلما جاء الزبير إلى رسول الله (ﷺ) وأخبره بذلك، قال: "خلِّ سبيلها"، فأتته فنظرت إليه وصلَّت عليه واسترجعت واستغفرت . وقالت إن حمزة في نعم الله قليل .

فهل ترضى أخي بما رضيه الله لك ؟!

5 ـ ويحكي عن ثلاثة من التابعين : الشعبي وسعيد ابن المسيب ورجل ثالث ،فجلسوا يدعون الله تعالي فقال الأول ( اللهم إني أسألك أن أموت قريبا حتي لا أدرك زمان الفتن فأفتن ، وقال الثاني : اللهم أحيني طويلا حتي أعبدك طويلا . وقال الثالث : الله لا أختار لنفسي فاختر أنت ما شئت فما تختاره لي هو خير لي . فقال الاثنين الآخرين أنت أفضلنا .

6ـ قال عمر رضي الله عنه: (ما ابتُليتُ ببلية إلا كان لله عليَّ فيها أربع نِعم: إذْ لم تكن في ديني، وإذ لم أحرم الرضا، وإذ لم تكن أعظم، وإذ رجوت الثواب عليها).

7ـ قال عامر بن قيس: (أحببتُ الله حباً هوَّن عليَّ كلَّ مصيبة، ورضَّاني بكل بليَّة، فلا أُبالي مع حبي إياه علام أصبحت وعلام أمسيت).

8ـ  عن أبى علي الرازي قال صحبت فضيل بن عياض ثلاثين سنة ما رأيته ضاحكا ولا متبسما إلا يوم مات على ابنه فقلت له في ذلك فقال إن الله عز وجل أحب أمرا فأحببت ما أحب الله .

العنصر السابع : الطريق إلي الرضا:

1ـ الانشغال بالعبادة :

قيل ليحي ابن معاذ : متي يبلغ العبد إلي مقام الرضا ؟ فقال إذا أقام نفسه علي أربعة أصول فيما يعامل به ربه فيقول : إن أعطيتني قبلت ، وإن منعتني رضيت ، وإن تركتني عبدت  ، وإن دعوتني أجبت .

وجاء في الحديث القدسي: }إن اللّه يقول: يا ابن آدم، تفرَّغ لعبادتي أملأ صدرك غنىً وأسدَّ فقرك، وإن لا تفعل ملأت يديك شغلاً ولم أسدَّ فقرك{ ]رواه الترمذي وقال حديث حسن[ .

وقد ورد في الحديث القدسي : }عبدي خلقتك لعبادتي فلا تلعب وقسمت لك رزقك فلا تتعب ، إن قل فلا تحزن ،وإن كثر فلا تفرح، إن أنت رضيت بما قسمته لك أرحت بدنك وعقلك وكنت عندي محمودا ، وإن لم ترضي بما قسمته لك أتعبت بدنك وعقلك وكنت عندي مذموما ، وعزتي وجلالي لأسلطن عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحوش في الفلاة ثم لا يصيبك منها إلا ما كتبته لك { .

ولكن من طبيعة ابن آدم عدم الرضا دائما ينظر إلي ما في يد غيره ويتطلع إلي ما

في يد الناس ويطلب المزيد بغير طاعة الله تعالي وهذه هي طبيعة النفس البشرية كما قال النبي (ﷺ) } لو كان لابن آدم واديان من ذهب لتمني أن يكون له ثالث ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ،ويتوب الله علي من تاب { .

الإنسان الساخط دائما يعيش في مأتم مستمر ومناحة دائمة لأنه يعيش في سخط دائم ،وغضب مستمر ساخط علي الناس ، ساخط علي ربه ،ساخط علي كل شيء .

2ـ الدعاء والتضرع إلي الله تعالي :

لذلك كان من دعاء النبي (ﷺ): }اللهم رضني بقضائك حتي لا أحب تعجيل ما أخرت ولا تأخير ماعجلت {

وكان من دعائه (ﷺ) }اللهم إني أسالك الرضا بعد القضاء{ .

3ـ اليقين والثقة في الله تعالي  :

رأى إبراهيم ابن أدهم رجلا مهموما فقال له أيها الرجل إني أسالك عن ثلاثة أشياء فاجبني قال الرجل نعم قال إبراهيم : أيجرى في هذا الكون شيئا لا يريده الله قال كلا قال أفينقص من رزقك شيئا قدره الله لك قال : لا قال أفينقص من عمرك يوم كتبه الله لك في الحياة ؟ قال كلا فقال له إبراهيم بن أدهم فلما الهم اذن .

ثق في آيات الله :" ولسوف يعطيك ربك فترضى "

وانظر إلى النعم ولا تكفرها بعدم الرضا عن النقص .

 يقول ابن عطاء الله السكندري : إياك والهم بعد التدبير فما قام به غيرك عنك لا تنشغل به أنت .

إن حسن فهم العبد لطبيعة علاقته بربه تعالى يريح قلبه، وإن معرفة العبد بأن الله الذي خلقه لا يريد به سوء أمر يطمئن فؤاده، وإيمان العبد بأن الله جعل له هذه الدنيا دار اختبار وامتحان من اجتازه بنجاح عبر إلى دار أخرى الخير فيها من الله عميم، ميزها الله وحببها لأهل الخير فقال عنها لأهلها فيما رواه أبو هريرة عن النبي (ﷺ) قال: } ينادي مناد: إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدا؛ فذلك قوله عز وجل: { ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون } ]رواه مسلم[

وهنا ينتهي مكان الدنيا بما فيها من تعبٍ ونصبٍ ومرضٍ و...، لو أيقن العبد بذلك لكان في استقبال البلاء فرحا، إذ هو يرفع درجته عند الله إذا صبر، أفلا ترى إلى قول النبي (ﷺ): }إنَّ عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإنَّ الله إذا أحب قومًا ابتلاهم، فمن رضي له الرضا، ومن سخط فله السخط{ ]رواه الترمذي وقال هذا حديث

 حسن [.

فدعنا نردد مع الشاعر قوله :

فليتك تحلو والحيــاة مريرة *** وليتك ترضى والأنام غضابُ

وليت الذي بيني وبينك عامرًا *** وبيني وبين العالمين خرابُ

إذا صحَّ منك الودُّ فالكلُّ هيِّنٌ *** وكل الذي فوق التراب تراب

 

4ـ أن ينظر إلى اختيار الله تعالى له ، وأن الله لن يختار له إلا الخير:

قال النبي (ﷺ):}عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ{ ]رواه مسلم[  .

النظر في أحوال أهل البلاء من أمثال الأنبياء عليهم السلام والصحابة والتابعين رضي الله عنهم

ونتضرَّع إلى الله ونقول :  إلهي؛ لا تغضب عليَّ فلست أقوى لغضبك، ولا تسخط عليَّ فلست أقوم لسخطك، فلقد أصبتُ من الذنوب ما قد عرفتَ، وأسرفت على نفسي بما قد علمتَ، فاجعلني عبدًا إما طائعًا فأكرمتَه، وإمَّا عاصيًا فرحمته ..

اللهم آمين .

ربنا آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً وقنا عذاب النار ، سبحان ربنا رب العزة عما يصفون وسلامٌ على المرسلين ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

======================== 

رابط pdf

https://top4top.io/downloadf-38076jgxk1-pdf.html


رابط doc

https://top4top.io/downloadf-3807xm1cy2-docx.html

 


الأحد، 31 مايو 2026

البناء الإقتصادي وأثره علي الأمة




الحمد لله رب العالمين .. من علينا بنعمة الإسلام العظيم فأكمله لنا وأتمه علينا ورضيه لنا فقال تعالي {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا (3)}[المائدة].
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له... له الملك وله الحمد وهو علي كل شيء قدير ..شرع لنا الدين سموا بالإنسان إلي معارج الكمال وكريم الخصال وحميد الفعال .. فقال تعالي { قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ(15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (16)}[المائدة].
وأشهد أن سيدنا محمد رسول الله صلي الله عليه وسلم ... ربي الأمة علي الثقة فيما عند الله تعالي من فضل ورزق ...فعن أبي أُمامةَ رضي الله عنه؛ أَنَّ النَّبيَّ () قال: "إِنَّ رُوحَ القُدسِ نَفَثَ فِي رُوعي أَنَّ نفسًا لنْ تموتَ حتى تستكمِلَ أَجلَها وتستوعبَ رِزْقَها، فاتقوا اللهَ وأجْمِلُوا فِي الطلبِ، ولا يحمِلَنَّ أحدَكُم استبطاءُ الرِّزقِ أَنْ يطلبَهُ بمعصيةِ اللهِ، فإنَّ الله تعالى لا يُنالُ ما عندَهُ إلا بطاعتِهِ"[ رواه أبو نعيم في حلية الأولياء وصححه الألباني.].
فاللهم صل علي سيدنا محمد وعلي آله وصحبه وسلم تسليما كثيراً إلي يوم الدين ..
أما بعـد .... فيا أيها المؤمنون .. 
لقد أنعم الله تعالي علينا بدين متكامل، تشريع شامل لكل مجالات الحياة، فهو إيمان وعمل، عقيدة وشريعة، عبادة ومعاملة، فكر وعاطفة، أخلاق وعمران.
إن الإسلام له منهجه الإقتصادي الكامل ومنهجه السياسي الكامل، ومنهجه الإصلاحي الكامل في كل مجالات الحياة....
فالإسلام دين شامل يشمل كل مناحي الحياة ، ذلك المنهج الذي يحقق للإنسان السعادة في الدنيا، ولا ينسى معاده في الآخرة.
ومن المجالات التي عالجها الإسلام في حياتنا المجال الإقتصادي ، ولقد حرص الإسلام حرصًا بالغًا على بناء الإنسان في كل مجالات الحياة وتنمية موارده الاقتصادية، ليعيش حياة طيبة كريمة، هانئة مليئة بالإنجاز والعمل ،العمل الصالح الذي يؤتي ثماره مرتين مرة في الحياة الدنيا، ومرة في الحياة الآخرة، وهي الحياة التي ترتفع بالمسلم من حد الكفاف إلى حد الكفاية والرفاهية لذلك كان حديثنا عن [البناء الإقتصادي وأثره علي الأمة] وذلك من خلال هذه العناصرالتالية ...
1ـ مفهوم البناء الإقتصادي. 
2ـ ضرورة البناء الإقتصادي.
3ـ دور القِيَم الإيمانية في البناء الاقتصادي.
4ـ الحوافز والدوافع في نجاح البناء الإقتصادي  .
5ـ معوقات البناء الإقتصادي.
6ـ أثر البناء الإقتصادي علي الأمة.
7ـ الخاتمة .
=============================
العنصر الأول : مفهوم البناء الإقتصادي:ــ   
يمكننا القول إن للبناء الإقتصادي في الإسلام مفهومًا شاملاً عريضًا، يستوعب كل ما يؤدي إلى الحياة الطيبة للإنسان الذي كرمه الله تعالى، وجعله خليفته في الأرض، وأمره بإصلاحها ونهاه عن السعي فيها بالفساد والخراب والدمار وإهلاك الحرث والنسل.
فالبناء الإقتصادي هو : طلب عمارة الأرض، وذلك من قوله تعالى {هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا(61)}[هود].
وقيل إن البناء يعني "الحياة الطيبة"، إشارة إلى معنى الآية الكريمة قال تعالي {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(97)} [النحل].
وقيل هو نقل المجتمع من الوضع الذي لا يرضاه الله، إلى الوضع الذي يرضاه.
والبناء الإقتصادي في الإسلام له هدف أساسي، وهو تحقيق التوازن بين مصلحة الجماعة والفرد بقصد تحقيق السعادة للإنسان في الدنيا والآخر، وتمكينه من أداء الهدف الذي خلق من أجله، قال تعالى:{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ(56}[الذاريات].
العنصر الثاني : ضرورة البناء الإقتصادي :ــ
وضع الإسلام للبناء الإقتصادي حسابًا خاصًا، فجعله في حكم الواجب، وقد فسر علماء التفسير قول الله عز وجل {هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا (61)}[هود].
على أنها تفيد الوجوب، فالسين والتاء في "استعمركم" للطلب، والطلب المطلق من الله يكون على سبيل الوجوب.
وفي تلك الآية يقول الإمام الجصاص: "إن في ذلك دلالة على وجوب عمارة الأرض بالزراعة والغرس والأبنية.
والتنمية واجبة للإنسان لأنها ليست شيئا عارضا أوهينا في ميزان الإسلام ولكنها ركن ركين وشعبة عظيمة من شعبه .
ولذلك حرص رسول الله () علي بناء اقتصادي قوي من أول يوم وصل إلي المدينة المنورة ، إذ كان اليهودُ قبل الهجرة يحتكرون التجارةَ فيها، ويسيطرون على معظمِ الموارد.
فأرادَ الرسولُ () إنهاءَ هذا الاحتكارِ والهيمنة، وتشجيعَ أثرياءِ المسلمين على مزاولة النشاط الاقتصادي.
ومن أبرز المسلمين الذين كانَ لهم فضلٌ في إنشاء سوقٍ تجاري كبير في المدينة المنورة الصحابيُ الجليل عبدُ الرَّحمنِ بنُ عوف رضي الله عنه ،فكان عبدُ الرَّحمنِ بن عوف من أوائل الذين آمنوا بالنبي ()،وساهمت إمكاناتُه الماليةُ في مساندةِ الدعوةِ وفقراءِ المسلمين.
فأين أصحاب رؤس الأموال اليوم من عبدالرحمن ابن عوف ومعاناة الكثير من فقراء المسلمين . وقد كان المهاجرون والأنصار، يعملون في الزراعة، أوفي التجارة أو في الحطب، أو في الاستيراد، أو في غير ذلك، وكلهم كانوا مثل عبد الرحمن بن عوف، حتى نتج عن ذلك نشاطٌ اقتصاديٌ واسعُ النطاق . 
 العنصر الثالث : دور القِيَم الإيمانية في البناء الإقتصادي:ـ 
لا بُدَّ من تلازم القِيَم الإيمانية مع البناء الإقتصادي؛ لأن البناء الإقتصادي ليس مطلوباَ لذاته، بل هو وسيلة لتحقيق الرخاء والسعادة وإقامة الدنيا والدين، وإذا كان الاقتصاد الإسلامي يدعونا إلى العمل والاستثمار وتعمير الأرض والضرب فيها، فإن هناك ضوابط دينية أخلاقية تحكمه تتمثل في قول الله تعالى:{وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلاَ تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلاَ تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ(77)} [القصص].
ويمكن استخراج هذه الضوابط من هذه الآية وهى:ـ  
1ـ  أرزاق العباد على الله تعالى:ـ
أكد الله سبحانه هذا المبدأ، وأقر هذه القاعدة في كتابه، فلا رازق سواه، كما أنه لا خالق غيره، خلق ورزق دون عناء ولا كلفة ولا مشقة، فلو سأله الخلق جمعيا فأعطاهم لم ينقص ذلك من ملكه شيئًا، كما قال في الحديث القدسي الجليل ،عن أبي ذر رضي الله عنه عن رسول الله () فيما يروي عن الله تبارك وتعالى أنه قال: {يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرما، فلا تظالموا، يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم، يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان منهم مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر، يا عبادي إنما هي أعمالكم: أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرا فليحمد الله عز وجل، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه}[رواه مسلم].  
فبين أن جميع الخلائق إذا سألوا وهم في مكان واحد، وزمان واحد، فأعطى كل إنسان منهم مسألته لم ينقصه ذلك مما عنده إلا كما ينقص المخيط، وهي الإبرة، إذا غمس في البحر.  
ومن آيات ربنا سبحانه التي تقرر هذه القاعدة قوله جل ذكره:{وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ(56) مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو القُوَّةِ المَتِينُ(58)} [الذاريات].
والْحَظْ اسم الله الرزاق في هذا السياق، وما جاء به في ختام الآية الثانية، فالرزاق من أبنية المبالغة، وهو يعني الذي يرزق مرة بعد مرة، الرزاق لجميع عباده، وقوله (ذو القوة المتين) يدل على أنه لا يعجزه شيء من هذا العطاء والرزق، فيعطى ويخلق بالقدرة المعجزة التي لا نهاية لها!
وقال ربنا: {إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ(54)} [ص].
فما على الإنسان إلا أن يسعى في الطلب ويحسن التوكل على الله، والله تعالى يفيض عليه من رزقه، وقد سهل النبي () هذا الأمر فقال:{لو أنكم توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا}.
وهو ظاهر في أن التوكل يكون مع السعي؛ لأنه ذكر للطير عملا وهو الذهاب صباحًا في طلب الرزق، وهي فارغة البطون، والرجوع وهي ممتلئة البطون.
وقال تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلاً أُوْلِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ (2) يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ(3)} [فاطر].
وقال تعالى: {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ(24)} [سبأ].
وقال تعالى: {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وَيُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ(31)} [يونس]. وتحدى الله تعالى بقضية الرزق وأنه لا يملكه سواه فقال جل ذكره: {أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَل لَّجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ(21)} [الملك].
وإذا كان هذا مقررًا، فإنه ينبغي للعباد أن لا يهتموا بهذا الأمر؛ لأنه مكفول من الله تعالى لهم، وما عليهم إلا أن يحسنوا التوكل على الله والإيمان به ليبارك الله تعالى لهم في الرزق الذي تكفل به؛ قال تعالى: {اللًّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُم مِّن شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشرِكُونَ(40)} [الروم]. 
وقد ذكر الله تعالى قضية الرزق مقرونة بالخلق، ومعلوم أن الله قد خلق كل ما هو كائن إلى يوم القيامة من الإنس قبل خلق آدم، وأخذ عليهم عهد الإيمان، وسبق ذلك في علمه، فقرن الرزق به تطمينا للعباد، حتى لا يهتموا برزق غد، وليعلموا أن الذي خلق هو الذي رزق!
2ـ  الرزق مكفول فلم الهم؟
قال تعالى: {وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (22) فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ(23)} [الذاريات].
وعتب على هؤلاء الذين يقتلون أولادهم بغير حق لا لشيء إلا الخوف أن يأكلوا من طعامهم فيقللوا عليهم أرزاقهم، فقال سبحانه: {وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً (31)} [الإسراء].
وقال تعالى:{وَكَأَيِّن مِّن دَابَّةٍ لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ(60)} [العنكبوت].
والمعنى كما يقول ابن كثير رحمه الله:(لا تطيق جمعه ولا تحصيله، ولا تدخر شيئا لغد، (الله يرزقها)، أي يقيض لها رزقها على ضعفها وييسره عليها، فيبعث إلى كل مخلوق من الرزق ما يصلحه حتى الذر في قرار الأرض، والطير في الهواء، والحيتان في الماء).
3ـ  كثرة الرزق أو قلته لا تدل على محبة الله تعالي أو بُغضه تعالي. 
فالله سبحانه يرزق الجميع، ولكنه قد يزيد أهل الضلال والجهل في الرزق، ويوسع عليهم في الدنيا، وقد يقتر على أهل الإيمان، فلا يظن أن العطاء والزيادة دليل المحبة والاصطفاء!.
بل إنه بين أنه لولا أن يكفر الناس جميعًا لأراهم الله تعالى عطاياه لأهل الكفر، فقال جل ذكره:
{ وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ(33) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (34) وَزُخْرُفًا ۚ وَإِنْ كُلُّ ذَٰلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (35)} [الزخرف].
وقد قال ربنا: {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ (55) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الخَيْرَاتِ بَل لاَّ يَشْعُرُونَ(56)} [المؤمنون].
وقد حكى لنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه حال النبي () وقد دخل عليه في غرفته، وهو على حصير ما بينه وبينه شيء، وتحت رأسه وسادة من أدم حشوها ليف، وإن عند رجليه قَرَظًا مصبوبًا، وعند رأسه أهب معلقة، فرأيت أثر الحصير في جنبه فبكيت، فقال:(ما يبكيك؟ فقلت: يا رسول الله، إن كسرى وقيصر فيما هما فيه، وأنت رسول الله، فقال: أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة)؟
والله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب. ولا يعطي الإيمان إلا من يحب. قال تعالى: {فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ(16)} [الفجر].
يقول: ما كل من وسعت عليه أكرمته، ولا كل من قَدَرت عليه أكون قد أهنته، بل هذا ابتلاء ليشكر العبد على السراء، ويصبر على الضراء، فمن رزق الشكر والصبر كان كل قضاء يقضيه الله خيرًا له، كما في الصحيح عن النبي () أنه قال {لا يقضي الله للمؤمن من قضاء إلا كان خيرًا له. وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له. وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له}.
وقال تعالى: {قُلْ مَن كَانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَداًّ حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا العَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ َسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضْعَفُ جُنداً(75)} [مريم].  
4ـ الله هو المتصرف في أرزاق العباد:ـ
وهذا أصل مهم من أصول الإيمان بقضية الرزق؛ فالله سبحانه متصرف في أرزاق العباد؛ يجعل من يشاء غنيا كثير الرزق، ويقدر على آخرين، وله في ذلك حكم بالغة؛ قال تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً (30) وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً (31)} [الإسراء].
قال ابن كثير: أي خبير بصير بمن يستحق الغنى ومن يستحق الفقر، فمن العباد من لا يصلح حاله إلا بالغنى فإن أصابه الفقر فسد حاله، ومنهم بضد ذلك.
وقال في قوله تعالى: {وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَٰكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (27)}الشوري.
 ولو أعطاهم فوق حاجتهم من الرزق لحملهم ذلك على البغي والطغيان من بعضهم على بعض أشرًا وبطرًا، ثم قال: {وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ}، وهذا كقوله: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ(21)} [الحجر].
وقال تعالى في حكاية عن مريم وزكريا عليهما السلام: {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا المِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ(37)} [آل عمران].
5ـ الرزق يُبَارك فيه بالطاعة ويُمْحَق بالمعصية:ـ
الرزق يبارك فيه بالطاعة، ويمحق بالمعصية، فتذهب بركته وإن كان كثيرا ظاهرًا؛ لأن ما عند الله تعالى لا ينال إلا بطاعته؛ قال سبحانه{ظَهَرَ الفَسَادُ فِي البَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ(41)} [الروم].
وفي المسند قال رسول الله () (إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه) ، وكما أن تقوى الله مجلبة للرزق، فترك التقوى مجلبة للفقر، فما استجلب رزق بمثل ترك المعاصي، وفي هذا يقول ربنا جل ذكره: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ(96)} [الأعراف].
وقد ضرب الله الأمثال لذلك في القرآن؛ قال تعالى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ(112)} [النحل].
وقال سبحانه: {إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ(17)وَلاَ يَسْتَثْنُونَ (18) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ(19) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ(20)} [القلم].
6ـ الرزق آتٍ لا محالة:ـ
وهذا أصل مهم من أصول الإيمان؛ أن يعلم الجميع أن رزق الله تعالى الذي قدره لا يفوت العبد، بل لا بد من تحصيله، وقد قال في ذلك رسول الله () {ما تركت شيئا مما أمركم الله به إلا وقد أمرتكم به، ولا شيئا مما نهاكم عنه إلا وقد نهيتكم عنه، وإن الروح الأمين قد ألقى في رُوعي أنه لن تموت نفسٌ حتى تستوفي رزقَها}.
فلو أن الناس عملوا بذلك وآمنوا به لما كان هناك سرقة ولا نهب، ولا غصب ولا اختلاس، ولا تحايل على قضية الرزق، فما قدر الله تعالى آتٍ لا محالة، وما لم يقدر فلن يستطيعَه العبدُ ولو بذل في سبيل ذلك الدنيا وما فيها.
ولذلك كان النبي () يقول:{يقول ابن آدم: مالي مالي. وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت، أو أعطيت فأمضيت} رواه مسلم.
 ومن استعجل الرزقَ بالحرام مُنِع الحلالَ؛ رُوِي عن علي رضي الله عنه أنه دخل مسجد الكوفة
فأعطى غلامًا دابته حتى يصلي، فلما فرغ من صلاته أخرج دينارًا ليعطيه الغلام، فوجده قد أخذ خطام الدابة وانصرف، فأرسل رجلا ليشتري له خطامًا بدينار، فاشترى له الخطام، ثم أتى فلما رآه علي رضي الله عنه، قال سبحان الله!
إنه خطام دابتي، فقال الرجل: اشتريته من غلام بدينار، فقال علي رضي الله عنه: سبحان الله! أردت أن أعطه إياه حلالا، فأبى إلا أن يأخذه حراما! 
وقيل لأبي حازم رضي الله عنه: ما مالك؟
قال: شيئان: الرضى عن الله، والغنى عن الناس.
قيل له: إنك لمسكين. فقال: كيف أكون مسكينا ومولاي له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى.
7ـ الأصل في الرزق أنه لا يأتي وحده ولكن يُسعي إليه :ـ
إن الله تعالي جعل من السنن الكونية ، الأخذ بالأسباب ،وطلب الرزق من عند الله سبحانه وتعالى بأسبابه المباحة قال تعالى: }إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ ۖ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (17){ العنكبوت.
قال تعالى: }لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ ۚ (198){ البقرة .
أي أن تطلبوا الرزق والفضل من الله سبحانه وتعالى، فعلى المسلم أن يجدَّ ويجتهد في طلب الرزق ليغني نفسه عن الناس وليغني من تلزمه نفقته، وليتصدق ولينفق في وجوه الخير إذا رزقه الله مالاً فنعم المال الطيب للرجل الطيب، ووجوه طلب الرزق كثيرة والحمد لله وميسرة:
ومنها البيع والشراء والمتاجرات والمؤجرات في حدود ما شرع الله سبحانه وتعالى، فالتجارة النزيهة هي خير المكاسب، والحمد لله الأصل في المعاملات الحلَّ والإباحة إلا ما دل الدليل على تحريمه: قال تعالي } يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ ۚ (29){ النساء.
فالتجارة هي خير المكاسب بأن يبيع الإنسان ويشتري طلباً للربح، وكذلك من وجوه الكسب المباحة أن يتعلم الإنسان المهن والحرف التي يكتسب من وراءها من الصناعة وغير ذلك من المهن التي يستفيد منها أموال مباحة، وكان نبي الله داوود عليه السلام يصنع الدروع ويبيعها ويأكل من ثمنها ولهذا جاء في الحديث:" إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده ".
إن أطيب ما يأكل المؤمن من كسب يده، وإن داود عليه السلام كان يأكل من كسب يده مع أنه نبي وملك لكنه لا يأكل إلا من كده ومن عمل يده فكذلك المؤمن يطلب الحرف والصناعات والمهارات التي يعيش من وراءها ويستغني من مردودها، فيتعلم ما يدر عليه من الرزق مما أباح الله سبحانه وتعالى، يتعلم الهندسة، يتعلم الطب، يتعلم الحدادة ،يتعلم كل ما فيه نفعٌ وفيه مردود
حلال ليحصل على الرزق، وكذلك من وجوه الاكتساب الاحتراف ،والكد باليد .
ولقد قطع الإسلام كل الطرق أمام المتسول  والبطال حتي لا يركن لشيئ مثل أن يركن بحجة العبادة ، أو يركن معتمدا علي مال الزكاة .
فعن أنس رضي الله عنه ( أنَّ رجلاً من الأنصار أتى النبي () يسأله فقال صلَّى الله عليه وسلَّم أَمَا في بيتك شيء؟ قال الرَّجل: بلى، حِلْسٌ[كساء يلبس، ويفرش على الأرض، ويجلس عليه.]
نلبس بعضَه، ونبسط بعضه، وقَعْبٌ[الإناء] نشربُ فيه من الماء، قال ()  (ائتني بهما) ، فأتاه بهما، فأخذهما رسول الله () بيده، وقال: مَن يشتري هذين؟، فقال رجل: أنا آخذهما بدِرهم، قال () مَن يَزيد على درهم؟ مرَّتين أو ثلاثًا، قال رجل: أنا آخذهما بدِرهمين، فأعطاهما إيَّاه وأخذ الدِّرهمين، وأعطاهما الأنصاريَّ، وقال: (اشترِ بأحدهما طعامًا، فانبذه إلى أهلك، واشترِ بالآخرِ قَدُومًا فأتِني به).
فأتاه به، فشدَّ فيه رسولُ () عودًا بيده، ثم قال له: (اذهبْ فاحتطب وبِعْ، ولا أرينَّك خمسةَ عشرَ يومًا) ، فذهَبَ الرجل يحتطبُ ويبيع، فجاء وقد أصاب عَشرةَ دراهم، فاشترى ببعضها ثوبًا، وببعضها طعامًا، فقال رسول الله () هذا خيرٌ لك مِن أن تجيءَ المسألةُ نُكتةً في وجهك يومَ القيامة؛ إنَّ المسألة لا تصلح إلاَّ لثلاثة: لذي فَقر مُدقِع، أو لذي غُرْم مُفظِع، أو لذي دمٍ مُوجِع.
رواه أبو داود برقم ، واللفظ له، ، وابن ماجه ، والنسائي ، وأحمد .
وقال عليه الصلاة والسلام: لئن يذهب أحدكم بأحبله إلى الجبل فيحتطب ويبيع خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه .
ولقد رأى الفاروقُ عمر ابن الخطاب رضي الله عنه قومًا قابعين في رُكن المسجد بعدَ صلاة الجمعة، فسألهم: من أنتم؟
قالوا: نحن المُتوَكِّلون على الله، فعَلاهم عمر رضي الله عنه بدِرَّته ونَهَرَهم، وقال: لا يَقعُدنَّ أحدُكم عن طلب الرزق
،ويقول: اللهم ارزقني، وقد علِمَ أن السماءَ لا تُمطِرُ ذهبًا ولا فضّة، وإن الله يقول:}فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (10){ الجمعة.
وروى ابن أبي الدنيا في "التوكل" بسنده عن معاوية بن قرة، أن عمر بن الخطاب، لقي ناسا من أهل اليمن، فقال : من أنتم؟ قالوا : نحن المتوكلون. قال : بل أنتم المتكلون، إنما « المتوكل الذي يلقي حبه في الأرض، ويتوكل على الله ».
وكان سفيانُ الثوريّ رحمه الله يمُرُّ ببعض الناس وهم جلوسٌ بالمسجدِ الحرام، فيقول: ما يُجلِسُكم؟ قالوا: فما نصنَع؟!
قال: اطلُبوا من فضلِ الله، ولا تكونوا عيالاً على المسلمين. 
ويُروى عن" شقيق البلخي" وهو من أهل العبادة والزهد أنه ودَّع أستاذه " الشيخ إبراهيم بن أدهم" لسفره في تجارة عزم عليها.
وأثناء سيره في الطريق رأى طائراً أعمى كسير الجناح، فوقف يتأمل الطائر ويفكر كيف يجد رزقه في هذا المكان المنقطع.
فلم يمضِ وقت طويل حتى جاء طائر آخر فأطعم الطائر كسير الجناح. تعجب شقيق من هذا المشهد وأثر فيه ،فقال في نفسه: إذا كان الله تعالى يرزق هذا الطائر من غير حول منه ولا قوة ولم يهمله فلماذا أذهب إلى التجارة و لماذا العناء و السفر وأنا في هذا السن؟!
سأرجع وحتماً سيرزقني الله ، وفعلاً عاد إلى بيته ولم يكمل السفر ،وحين وصل زار شيخه فقال له الشيخ : لماذا عدت يا شقيق.. الم تذهب للتجارة ؟
فقص عليه القصة بأنه رأى في طريقه طائرا أعمى وكسيح و أخذ يفكر كيف يأكل هذا الطائر ويشرب؟
وبعد قليل جاء طائر آخر يحمل حباً وأطعم الطائر الأعمى ثم سقاه، فقلت طالما ربنا عز وجل رزق الطائر الأعمى الكسيح سأرجع إلى بيتي وسط أولادي وارجع لأهلي وبلدي وربي سيرزقني.
هنا قال له الشيخ إبراهيم: سبحان الله يا شقيق! ولماذا رضيت لنفسك أن تكون الطائر الأعمى العاجز الذي ينتظر عون غيره ولا تكن أنت الطائر الآخر الذي يسعى ويكدح ويعود بثمرة ذلك على من حوله ؟!
أما علمت أن النبي () قال: (اليد العليا خير من اليد السفلى) .
إنتبه شقيق إلى خطأه فقَبل يد الشيخ وقال: أنت أستاذنا يا أبا إسحاق، ثم تركه ليذهب مجدداً لطلب الرزق.
فالمؤمنين ليسوا عالة على غيرهم تشغلهم عبادتهم عن العمل والكسب ، وليسوا طلاب دنيا وعبيد مال تحجزهم مصالحهم وتلهيهم تجارتهم عن أداء حقوق الله تعالى قال تعالي } ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك{القصص.
ودخل عبد الله بن عمر رضي الله عنه السوق ، فأقيمت الصلاة فأغلق التجار حوانيتهم ودخلوا المسجد فقال : فيهم نزلت : }رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ..  {.النور
وقال مطرف الوراق : " كانوا يبيعون ويشترون ولكن كان أحدهم إذا سمع النداء وميزانه في يده خفضه وأقبل إلى الصلاة ".
وأيضا لم يجعل النبي () لمتبطل كسول حقا في الصدقات ، فيحكي أنه جاء رجلان إلى النبي () يسألانه من الزكاة فنظر إليهما فوجد أنهما قويان فقال عليه الصلاة والسلام: إن شئتما أعطيتكما غير أنه لا حظ فيها لغني ولا لذي مرة قوي ، لا حظ فيها لغني (يعني الزكاة) ولا حظ فيها لذي مرة (يعني قوة) لذي مرة قوي لأن الأول غنيٌ بماله والثاني غنيٌ بقوته.
فقال رسول الله ():" لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي" أخرجه أبو داود والترمذي.
فالإسلام الحنيف ليس فيه عطالة ، فالإسلام دين الجد والاجتهاد ، حيث يأمرنا بالضرب في الأرض ، قال تعالي (وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ) يعني يسافرون (يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ) يطلبون الرزق.
8ـ المالك الحقيقي للمال هو الله تعالي ونحن مستخلفون فيه :ـ
المالك الحقيقي للمال والأرض هو الله تعالي ،والإنسان ما هو إلا مستخلف فيه ،لذلك ينبغي علي الإنسان أن يحسن استخدامه وتوظيفه فلا يتصرف وفق رغبات وشهواتها فيسرف في الإنفاق ليرضي متطلبات نفسه ونزواتها ويبخل بالمال حرصا عليه عندما تستلزمه الضرورات التي ليس لمفسه إليها حاجة أو حظ ونسي أن هذا المال ليس ماله وأنه فقط مستخلف فيه وأن المستخلف في شيئ ملزم التصرف فيه وفق ضوابط وأوامر من استخلفه ولا يجوز له أن يجتهد خارج هذه الأوامر والضوابط وإلا أصبح خائنا للأمانه فيقع تحت طائلة الآية الكريمة } يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (27)وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (28){ الأنفال .
فيؤكد المولي عز وجل هذه الحقيقة بكلمات واضحة مباشرة فيقول سبحانه وتعالي}آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ۖ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (7){الحديد
ويقول تعالي }وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ۚ(33){ النور.
ومن هنا جاءت النصوص توضح المنهج الوسط في التعامل مع المال بما يحقق الاستخلاف ويؤدي إلي مرضاة الله تعالي وفي نفس الوقت تحذر من الخروج علي هذا المنهج فيقول تعالي مبيحاَ لعباده الزينة والطيبات من الرزق ولكن في غير سرف ولا تقتير } يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31) قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ۚ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (32){ الأعراف.
ويقول تعالي }وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (29){ الإسراء.
ويقول تعالي أيضا : }وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا(67){ الفرقان . 
ويقول تعالي في معرض أداء الحقوق }  وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (26) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ ۖ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (27){ الإسراء.
والتبذير هو الإنفاق في غير المشروع ،أما الإسراف فهو الإنفاق في المشروع ولكن بزياة كبيرة عن الحد المعقول وكلاهما حرام .
وَقَالَ النَّبِى (): (كُلُوا وَاشْرَبُوا، وَالْبَسُوا، وَتَصَدَّقُوا فِى غَيْرِ إِسْرَافٍ، وَلا مَخِيلَةٍ) .
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كُلْ مَا شِئْتَ، وَالْبَسْ مَا شِئْتَ، مَا أَخْطَأَتْكَ اثْنَتَانِ: سَرَفٌ أَوْ مَخِيلَةٌ.
ورغم ذلك نجد البعض من أصحاب الثراء الفاحش ينفقون المال علي موائد القمار وعلي حفلات المُجون والرقص، وهناك من المسلمين من يكاد يموت جوعا أو مرضا ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
وفي هؤلاء وأمثالهم يقول النبي () فعن خولة الأنصارية رضي الله عنها، قالت : قال رسول الله ():(إن رجالا يتخوضون في مال الله بغير حق ،فلهم النار يوم القيامة ( . رواه البخاري
وليعلم المسلم أيضا أن نعم الله عز وجل لا يمتلكها أحد ، وإنما هي بمثابة الجوار، ليتمتع بها بما يرض الله عز وجل ، فإذا أحسن الإنسان جوار النعم لازمته، وبارك الله له فيها ، وإذا أساء جوارها فارقته ،وأثم إثما كبيرا .
فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تقول دخلَ عليَّ رسولُ اللهِ () فَرأى كِسْرَةً مُلْقَاةً فَمَشَى إليها فأخذَها ثُمَّ مسحَها فَأكلَها ثُمَّ قال لي يا عائشةُ أَحْسِنِي جِوَارَ نِعَمِ اللهِ تَعالَى فإنَّها قَلَّ ما نَفَرَتْ من أهلِ بَيْتٍ فَكَادَتْ أنْ تَرْجِعَ إليهِمْ"[أخرجه ابن ماجه ، وابن أبي الدنيا في الشكر والطبراني في المعجم الأوسط].
ويقول الله تعالي}وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (7){إبراهيم
ولابد أن نعلم أنَّ صلاح الأمة بالتزام هذه التعاليم وهلاكها في انحرافها عن هذه التعاليم
فعن عبد الله بن عمرو في الحديث المرفوع }صَلاحُ أَوَّلِ هَذِهِ الأُمَّةِ بِالزُّهْدِ وَالْيَقِينِ ، وَيَهْلِكُ آخِرُهَا بِالْبُخْلِ وَالأَمَلِ { .رواه الطبراني في الأوسط.
ومن أهم الأشياء التي يوقن بها المسلم أن كل هذه النعم لا تصحبه في رحلته إلي الدار الآخرة ، وهي أهم رحلة لأنه من خلالها يتحدد مصير الإنسان إما نعيم مقيم ، وإما عذاب أليم ، وقدأخبرالنبي () بذلك فعن أنس رضي الله عنه عن رسولِ اللَّهِ (ﷺ) قَالَ: يتْبعُ الميْتَ ثلاثَةٌ: أهلُهُ ومالُه وعمَلُه، فيرْجِع اثنانِ ويبْقَى واحِدٌ: يرجعُ أهلُهُ ومالُهُ، ويبقَى عملُهُ" متفقٌ عَلَيهِ.
العنصر الرابع : الحوافز والدوافع في نجاح البناء الإقتصادي :ـ
إن عملية البناء الإقتصادي لا يمكن أن يتمَّ إلا إذا توافر لها الإنسان الصالح القوى الذي ينهض بها، والمجتمع الخيِّر الذي يحتضنها ،لذلك أعطي الإسلام حوافز ومشجعات لما أوجب العمارة على خلقه، جعل لهم في مقابل ذلك حوافز عظيمة، وذلك لما في الحوافز والدوافع والقيم التي تحرك الأفراد، من دور أساسي في إنجاح هذه العملية.
لقد جعل الله تعالي حوافز ودوافع تجعل الإنسان يسعى لتحقيق البناء من خلال المنهج التربوي الإسلامي حوافز أخروية وروحية، فنجد أن هناك آيات كثيرة، وأحاديث ترغب في العمل وتحث عليه.....
ومن الحوافز الأخروية قول الله تعالى{وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ(19)} [الأحقاف].
وقوله تعالى{إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (30)}[الكهف].
وكذلك قوله تعالى {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ (10)}[فاطر].
ومن ذلك قول النبي () "ما من مسلم يغرس غرسًا، أو يزرع زرعًا، فيأكل منه طير أو إنسان، أو بهيمة، إلا كان له به صدقة".
وفي مجال الحوافز الدنيوية، فقد وردت أحاديث كثيرة، فمثلاً في مجال الأعمال المخصوصة كالزراعة، جاءت أحاديث تجعل العمل الزراعي في الأراضي غير المملوكة سببًا في التملك، وهذا الحافز يتسم مع طبيعة الإنسان المجبولة على حب المال والتملك.
ومن ذلك قول النبي () :{من أحيا أرضًا ميتة فهي له، وما أكلت العافية منه له به صدقة}. وأخرج البخاري في صحيحه عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنْ النَّبِيِّ () قَالَ: " مَنْ أَعْمَرَ أَرْضًا لَيْسَتْ لِأَحَدٍ فَهُوَ أَحَقُّ ".
ويقول () : " مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَلَهُ مِنْهَا يَعْنِي أَجْرًا وَمَا أَكَلَتْ الْعَوَافِي مِنْهَا يعني الطير والسباع- فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ ".
تشجيع المشاريع الإقتصادية:ـ
شجَّع رسول الله المشاريع الاقتصادية بين المسلمين، وحثَّهم على المزارعة، كما فعل الأنصار مع
إخوانهم المهاجرين الفقراء، الذين قَدِموا على المدينة بلا أدني مال، فعن أبي هريرة أنه قال: قالت الأنصار للنبي (): اقسمْ بيننا وبَيْن إخواننا النَّخِيلَ. فقال: "لا". فقالوا: تَكْفُونَا الْمُؤْنَة, وَنَشْرَككُمْ في الثمرة. قالوا: سمِعْنا وأطَعْنا.(رواه البخاري) .
والإعمار والإحياء إما بالزرع أو حفر الآبار،أو بالبناء عليها،كبناء المصانع، والشركات المنتجة لما يلزم للناس، ونحو ذلك.
وخلاصة القول، فإن التنمية الاقتصادية في الإسلام، تنمية شاملة متوازنة تجمع بين تنمية الإنسان، وإعداده إعدادًا صحيحًا، ليضطلع بمسؤولياته أمام الله عز وجل وبين تنمية البيئة المحيطة به اقتصاديًا واجتماعيًا وسياسيًا وثقافيًا، لتمكنه من القيام بهذه المسؤوليات على الشكل المطلوب خير قيام.
العنصر الخامس :معوِّقات البناء الإقتصادي:ــ
هناك معوِّقات للبناء الإقتصادي نذكر منها:ـ
1- الربا بجميع أنواعه، وما يترتب عليه من أضرار خطيرة على الفرد والمجتمع، لم يكن الإسلام في منعه للربا حربًا على الأغنياء أو ضد الثراء؛ بل كان التزام الحق والعدل في استنماء المال، وتوظيفه في دفع عجلة التنمية الاقتصادية وتحقيق ازدهار المجتمع ورخائه، ومن هنا كان تحريم الربا ضابطًا رئيسًا للاستثمار الرشيد في الاقتصاد الإسلامي، وذلك أن الربا يؤدي إلى تمييز رأس المال على سائر عناصر الإنتاج؛ بأن يكون مستحقًّا لعائد دون مقابل من إنتاج أو عمل أو تعرض لمخاطرة.
وبعبارة أخرى: فإن المعاملات الربوية تؤدي إلى استخدام النقود في غير وظيفتها الأساسية، فتكون سلعة تُباع وتُشترَى، يُباح تأجيرها بثمن معين يسمى الفائدة، مما يمنحها القدرة على إنتاج نقود من غير إسهام فعلي في العملية الإنتاجية بالعمل، أو التعرض للمخاطرة، أو الإنتاج الفعلي. وبناءً على ذلك؛ فإن الربا يؤدي إلى تعطيل استخدام النقود الأساس كوسيط للتبادل، فتركّز الثروة في أيدي طبقة محدودة من المجتمع، فتصبح هي المتحكِّمة في رأس ماله، وذلك يترتب عليه قلة الإنتاج من جرَّاء توقُّف الاستثمار الحقيقي الذي يتطلَّب بذل الجهد وممارسة العمل من الجميع، والاشتراك في تحمُّل المخاطرة، فالمرابون بما يحصلون عليه من كسب محرَّم بدون جهد وعناء ومخاطرة يصرفهم ذلك عن تحمُّل مشقة الكسب والتجارة والصناعات الشاقة، وذلك يفضي إلى انقطاع منافع الخلق، ومن المعلوم أن مصالح العالم لا تنتظم بالتجارات والحِرَف والصناعات والعمارات فقط.
ولقد تفاقم أمر الربا في هذا الجانب فتعدَّاه من نطاق الدولة الداخلي إلى المستوى الدولي بشكلٍ ألحق الضرر بالدول الفقيرة، وجعلها مكبَّلة بالديون الخارجية وفوائدها الربوية المتراكمة، بعد أن عجزت مواردها المحلية عن الوفاء بالتزامات ديونها الخارجية التي أخفقت في تنميتها الاقتصادية، جعلتها في موقف ضعيف إزاء طغيان الدول الدائنة التي جعلت من هذه الديون عوامل ضغط وإكراه لربط اقتصاد الدول المدينة بالتبعية لها؛ وذلك مما أدَّى إلى انتقال الموارد من فقراء العالم إلى أغنيائه، وتفشِّي ظاهرة التضخُّم في كثير من الدول، واختلال توزيع الدخل والثروة بين البشر.
 2- الغش والخداع:ـ
الغش هو إظهار الشيء على غير ما هو عليه في الواقع، وذلك بكتمان العيب وإخفائه، فالغش خيانة وخداع، وهو حرام بإجماع المسلمين، وفاعله مذموم عقلاً وشرعًا، ويعتبر الغش بأنواعه وصوره كافة آفةً اجتماعية واقتصادية خطيرة، ويتعدَّى ضرره مصلحة المستهلكين، فتمتد آثاره لتشمل المنتجين والمزارعين والصناعيين، وقد تطول صحة الإنسان والنظام الاقتصادي بشكل عام.
ومن صور الغش التي شاع ظهورها، وتتنافى مع مكارم الأخلاق:ـ
الغشُّ في النشاط الاقتصادي، ككتمان العيب وعدم إظهاره، ويدخل في الغش نقصان الكيل والميزان، وقد حذَّر الإسلام من ذلك وأمر بالوفاء بالكيل والميزان بالعدل؛ فقال تعالى{وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا(152)} [الأنعام].
كما توعَّد الله سبحانه وتعالى بالويل لكل مَن يطفِّف أو ينقص في المكيال والميزان إذا باع، ويزيد
إذا اشترى؛ فقال تعالى {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ(1) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ
أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ(3)أَلاَ يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (5) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ(6)} [المطففين].
3- صناعة وبيع الأشياء المحرمة:ـ
اتجهت الاقتصاديات الوضعية على قصر عنايتها  على الجانب المادِّي وحده، فأصبح الهدف الوحيد للنشاط الاقتصادي المعاصر، دون مراعاة أو التفات للجوانب الأخرى كالقيم والمبادئ الأخلاقية، فقد شاع التعامل بالأشياء المحرمة في مجال الأطعمة والأشربة والصناعات، وذلك ما يمنعه الإسلام وتأباه شريعته التي لا تسمح أبدًا بأية صورة من صور الكسب الخبيث؛ يقول تعالى:{قُلْ لاَ يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(100)} [المائدة].
4- التبذير والإسراف:ـ
التبذير والإسراف من العادات القبيحة التي فشَت بين الناس، وهم لا يرضون بأن يمدُّوا أرجلهم على قدر لحافهم، ولكنهم يريدون أن يصلوا من لحاف غيرهم بلحاف أنفسهم حتى يمدُّوا أرجلهم أقصى ما يستطيعونه، فيقعون في الإسراف والتبذير الذي يهدم اقتصاد الأسرة والمجتمع، وقد حذَّر الإسلام من الإسراف والتبذير تحذيرًا شديدًا؛ قال تعالي{إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا(27)} [الإسراء].
5- الاعتماد على الغير في الإنتاج:ـ
ويظهر ذلك في كثرة الاستيراد وقلة التصدير، ولقد فضل الإسلام الإنفاق الإنتاجي على الاستهلاكي؛ حرصًا منه على تنمية الثروة الإنتاجية، ويجب على الأمة الإسلامية أن تضع خطة على أساس علمي وإحصائي؛ لزيادة ثروة الأمة وتنمية إنتاجها كمًّا ونوعًا، والاستفادة من التكامل الاقتصادي بين البلدان الإسلامية؛ للعمل على تحقيق الاكتفاء الذاتي فيما بينها، واتخاذ الوسائل الفعالة مادية ومعنوية؛ لدفع عجلة التنمية، وتنظيف المجتمع من كل الآفات النفسية والأخلاقية والثقافية والاجتماعية، التي تعطل طاقات الأمة، وتحطم منجزاتها، وتعوق مسيرتها نحو التقدم.
العنصر السادس : أثر البناء الإقتصادي علي الأمة :ـ
إن الأمة المنتجة قوية ولها منعة ويهابها أعدائها ، والأمة المستهلكة ضعيفة وتكون ألعوبة في أيد أعدائها . 
إن الأمة التي تعمل تقود ولا تقاد ، تسود ولا تساد ، تتكلم فيُسْمع لها ، تأمربأمر الله فَتُطاع ، وتنهى بنهي الله فلا تُعصى، تذل لها الأمم وتدين لها الدول، وكانت مضرب المثل بين الأمم، و يشار إليها بالبنيان، ويتحقق لها النجاج ، والهيبة والمنعة.
لقد زار سيدنا عمرابن الخطاب  بلدة فرأى أكثر الفعاليات الاقتصادية بيد غير المسلمين، فعنفهم أشد التعنيف، فقالوا: لقد سخرهم الله لنا، فقال لهم قبل ألف وأربعمائة  وأربعون عاما: كيف بكم إذا أصبحتم عبيداً عندهم؟
لقد أدرك الخليفة العملاق قبل ألف وأربعمائة وأربعون عاما أن المُنْتِج قوي والمستهلك ضعيف.
أيها المؤمنون ...
إننا لا بُدَّ أن نصوغ حياتنا إسلاميًّا؛ لتحقيق استقلال ذاتي حقيقي لأمتنا يردُّها إلى حضارتها الأصيلة المتوازنة، ويعيد إليها شخصيتها المستقلة المتميزة، ويجعلها رأسًا في الحياة، لا ذيلاً لشرق أو غرب، ولنرقى بالمجتمع من التخلُّف إلى التقدم، ومن الاعتماد على الغير إلى الاكتفاء بالذات، ومن استيراد مصنوعات الحضارة إلى تصديرها، ومن الاستهلاك إلى الإنتاج.
ويجب علينا أن نستعيذ بالله تعالي من العجز والكسل ، ويحرص كل إنسان منا أن يكون له عمل يخدم به أمته ودينه، لذلك كان النبي () يستعيذ بالله من العجز والكسل فقال (): اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْجُبْنِ وَالْبُخْلِ وَالْهَرَمِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ [متفق عليه عن زيد بن أرقم]
إن تقدم الأمة في الصناعات المختلفة وريادتها في الأعمال المبتكرة يحقق لها المنعة من الأعداء المتربصين بها والطامعين في ثرواتها وكنوزها .
الخاتمة :....
إن الإسلام الحنيف رغَّب في الكد والعمل والتحصيل، وذم البطالة بشتى صورها، وحذر منها لما
فيها من الجمود والاتكالية، فبقاء الفرد عاطلاً دون عمل معتمدًا على غيره يجعله ذليلاً مكسور الجناح، واضعًا نفسه تحت رحمة الخلق وشفقتهم، يرجو برهم وعطفهم، ويخاف شرَّهم وعقابهم، فهو إن لم يسايرهم منعوا عنه العطاء، ومخرجه من ذلك أن يكون عاقلاً منتجًا، وأن يوجد لنفسه مهنةً، يكتسب من خلالها، وأن يكون في عداد المثمرين المنتجين، حتى لا يبقى عالة على نفسه ومجتمعه.
نسأل الله العظيم أن يحفظ بلادنا من كل مكروه وسوء ، ولا يشمت بنا عدوا ولا حاسدا ،وأن يجعلنا من العاملين المخلصين المنتجين إنه ولي ذلك ومولاه .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

=================
رابط pdf
رابط word

المشاركة المميزة

الجلوس الثمين