الاثنين، 20 يوليو 2026

الماء هبة الله تعالي وسر الحياة

 


الحمد لله رب العالمين … الحمد لله بارئ البريات وعالم الخفيات، المطلع على الضمائر والنيات… وهب لنا الحياه وأوجدنا من العدم وأنعم علينا بالنعم التي لا تعد ولا تحصي فقال تعالي ( وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (34)) إبراهيم 
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له .. له الملك وله الحمد يحي ويميت وهو علي كل شيء قدير ..جعل الماء سر الحياة فقال تعالي ( وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ۖ  (30)) الأنبياء . 
وأشهد أن سيدنا محمد رسول الله (ﷺ)…تعامل مع نعم الله تعالي بالحمد والشكر ، فنهي عن الإسراف والتبذير في الماء فقال لسيدنا سعد ابن أبي وقاص ( لا تسرف في الماء ولو كنت علي نهر جار ). 
فاللهم صلِ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد نبي الرحمة، وعلى آله وأصحابه ، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلي يوم الدين .
 أما بعــد :ـ فيا أيها المؤمنون… 
آيات الله في الآفاق وفي الأنفس، وفي السماوات وفي الأرض كثيرة يمر عليها الناس وهم عنها معرضون، نعم وآلاء تتوجه إليها البصائر والأبصار في مكنونات هذا الكون، والظواهر والأحوال في تأملات واسعة الآماد، ممتدة من المنشأ حتى المعاد. فالأرض فراش ومهاد، والسماء سقف محفوظ ومرفوع بغير عماد، ظواهر عجيبة في تقلب الليل والنهار، والفلك الدوار، والرياح المرسلة، والأمواج الهادئة والهادرة.
 تفكر وتأمل يحيي القلوب، ونظر وتبصر يستجيش العقول في بدائع صنع الله الذي أتقن كل شيء؛ لينظر في آثار الربوبية وليكون التوحيد كله لله. 
من هذه الآيات نعمة عظيمة وجليلة، إنها نعمة الماء، أعظم النعم، عليه تقوم الحياة، وهو أساس الحضارة والرقي، وعماد الاقتصاد ومصدر الرخاء، فالواجب علينا معرفة عظم هذه النعمة، واستغلالها، وتجنب التبذير والإسراف فيها. فالماء من أعظم النِّعم على البشرية وعلى جميع الكائنات، حيث جعله الله تعالى من أهم أسباب الحياة فهو روح الكائنات بعد الروح، حتّى اقترنت الحياة بالماء فقال تعالى: ”وجعلنا من الماء كلّ شيء حي” سورة الأنبياء. 
لذلك كان حديثنا عن نعمة الماء  (الماء هبة الله وسر الحياة) ويتناول هذه العناصر الرئيسية :ـ
 1ـ الحكمة من خلق الماء .
 2ـ أهمية الماء في الحياة .
 3ـ منهج الإسلام في التعامل مع الماء .
4ـ الخاتمة
العنصر الأول : الحكمة من خلق الماء :
هو ماء الحياة لكل الأحياء على هذه الأرض بقدرة الله، ماء فرات وماء ثجاجٌ، تحيون به أنفسكم، وتروون به عطشكم، وتطهرون أجسادكم، وتصنعون طعامكم، وتغسلون متاعكم، ماء مبارك طهور، يسقي الحرث، وينبت الزرع، ويشرب منه أنعام وأناس كثير: وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (48) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا(49) وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَىٰ أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (50)(الفرقان). 
قال الله: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً ۖ لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (10) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (11) (النحل) 
ماء طهور، أغنى الله به بني آدم عن الحرام، والنجس في المطعوم والمشروب والدواء، فسبحان الله! 
عباد الله: 
الماء أصل المعاش وسبيل الرزق، يقول عمر رضي الله عنه: (أينما كان الماء كان المال، وأينما كان المال كانت الفتنة ). 
العنصر الثاني :أهمية الماء في الحياة :
لقد ورد لفظ الماء بمشتقاته في كتاب الله أكثر من مائة وستين مرة. هذا السائل المبارك الطهور، إنه الماء، واقرءوا إن شئتم في كتاب الله: وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ [الأنبياء:30].. 
من هذه الآية يتبيّن لنا أهمية الماء لجميع المخلوقات وأنّه لا يمكن الاستغناء عن الماء مهما بلغت البشرية من علم وتكنولوجيا، حيث أن التطور العلمي قد وجد بدائل لكثير من وسائل الحياة، ولكنّه لم يجد بديلاً عن الماء، بل إنّ حاجة البشرية ازدادت إلى الماء وصار من يملك ثروة الماء يتحكّم في غيره وقد تنشب حروبًا بسبب الصراع عن الماء. 
وقد ذكرنا الله تعالي في كتابه العزيز بنعمة الماء العذب فقال تعالى: أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (68) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (69)لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (70)” الواقعة. 
وتتضح لنا أهمية الماء من خلال هذه النقاط :
 1ـ الماء أصل خلق الإنسان :
قال تعالي (وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ ۖ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَىٰ بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَىٰ رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَىٰ أَرْبَعٍ ۚ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (45)) النور.
ويقول تبارك وتعالى: (أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (20))المرسلات.
وقال تعالي( فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (5) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (6)) الطارق
وغير ذلك من الآيات كثير مما يذكر الإنسان بأهميّة الماء فمنه خلقت الكائنات ومنها الإنسان نفسه، وبه بقاؤها واستمرارها.. 
والماء هو ينبوع الحياة وسر الوجود وروح الحضارة وسيد الشراب وعنصر أساسي لعيش الكائنات الحية وعامل جوهري لكل نشاط اقتصادي ولكل تنمية اجتماعية فهو الذي يحيي البلد الميت ويجعل الأرض الخاشعة تهتز وتربو فتتشقق خضرة ونعيما: قال تعالي (وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (5))الحج. 
وقال سبحانه: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ ۚ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۚ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(39)فصلت. 
إن بالماء يستعلن سر الحياة في الأحياء فتنتشي وتمرح ويرى الإنسان يسبح في فيض سماوي من النشوة والغبطة والسرور فيشعر بتدفق الحياة في جسمه ويعلم حينها أن الماء سر الحياة وأن الحياة لا تقوم إلا به وصدق ربنا الكريم حين قال: (وجعلنا من الماء كل شيء حي)… 
2ـ الماء من أعظم النعم :ـ 
الماء من أعظم ما امتن الله به على عباده: أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (68) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (69) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (70) ” الواقعة. 
وقال تعالى:{فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ (24) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (25) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (26) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (27) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (28) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (29) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (30) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (31) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (32)} (عبس).
 إن ذكر الماء في كتاب الله بمفرداته ومكوناته من البحار والأنهار والسحاب يدل على عظم أثره في حياة البشرية. 
هذا السائل المبارك هو أغلى ما تملك الإنسانية لاستمرار حياتها بإذن الله، أدرك ذلك الناس كلهم كبيرهم وصغيرهم عالمهم وجاهلهم، حاضرهم وباديهم، عرفوه في استعمالاتهم وتجاربهم وعلومهم، إن خف كان سحاباً، وإن ثقل كان غيثاً ثجاجاً، وإن سخن كان بخاراً، وإن برد كان ندى وثلجاً وبرداً. تجري به الجداول والأنهار، وتتفجر منه العيون والآبار، وتختزنه تجاويف الأرض والبحار: }وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (22) (الحجر).
 وقال تعالى: وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ ۖ وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ (18){ (المؤمنون).
 اذا اراد ان يعرف احدنا قيمة الماء، فلينظر الى ذلك الملك الذي قال لعالم من العلماء: عظني، فقال له العالم: ايها الملك، أرأيت ان منعت الماء، أتشتريه بنصف ملكك؟ فقال له: نعم، قال أرأيت إن حبسته أتفتدي نفسك بنصف ملكك؟ قال: نعم، قال له: فلا خير في ملك لا يساوي كأس ماء.
 3 ـ الماء وسيلة لحسن الثواب ووسيلة للعذاب : 
عباد الله: عجباً لهذا الماء! جعله الله وسيلة لحسن الثواب في الدنيا، ففي التنزيل العزيز يقول الله:{وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (16)} [الجن] 
كما إنه وسيلة عقاب على المذنبين المكذبين: كما في قصة سيدنا نوح عليه السلام فقال تعالي ( فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (11) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (12) (القمر) 
وفي الآية الأخرى يقول الله:{ فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ ۖ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (40)} (العنكبوت). 
بل إنه من أعظم أنواع النعيم في الجنة للمتقين كما يقول المولى جل في علاه : {مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ ۖ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ(15)}  (محمد).. 
وقال تعالي {وَظِلٍّ مَمْدُودٍ(30) وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ (31)} (الواقعة) 
كما أنه في صور أخرى وسيلة لعذاب أهل النار عياذاً بالله من النار:{ وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً(29)} [الكهف] وكما قال الله:{ وَسُقُوا مَاءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ (15)} (محمد). 
إن الله تعالى كما ينعم بالماء فقد ينتقم به وعجيب أن يجعل الله هلاك الناس بما فيه حياتهم والشيء إذا زاد عن الحد انقلب إلى الضد، فالماء نعمة حين ينزل بقدر ولكن الله عز وجل إذا غضب على عباده قد يمسك الماء عنهم وقد ينزله بدرجة تفسد ولا تصلح قال سبحانه وتعالى: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ (30))الملك.
 4 ـ الماء من جند الله تعالي :
فمن عجائب البحر التي تدل على إدراكه وعبوديته لله جل وعلا أنه يعظم عليه أن يرى ابن آدم يعصي الله عز وجل مع حلم الله عليه فيتألم البحر لذلك ويتمنى هلاك عصاة بني آدم بل ويستأذن ربه في ذلك .
جاء في مسند الإمام أحمد فيما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” ليس من ليلة إلا والبحر يشرق فيها ثلاث مرات يستأذن الله أن ينتضح عليهم ـ أي على العصاة ـ فيكفه الله بمنه وكرمه “.
فلا إله إلا الله ، البحر يتمعر ، ويتمنى إغراق العصاة ، ويستطيع لكنه مأمور . 
ولقد سخر الله- تعالى- الماء ليكون جندا من جنوده للدفاع عن الدين، ونصرة المؤمنين، وإهلاك الكافرين، فقد انطوت غزوة بدر على معجزات لتأييد المسلمين ونصرتهم، فقد أمد الله المسلمين فيها بملائكة يقاتلون معهم، كما كان المطر من وسائل تثبيت المؤمنين، ونصرتهم، فقال تعالى:{وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ (11)}الأنفال.
 وقد جعل الله تعالي الماء ملاذا آمنا لموسى عليه السلام في مهده، فتأمل كيف سخر الله البحر ليحمل موسى وهو طفل، وينقله إلى أن يدخله في بيت آل فرعون، فيحميه الله من بطش فرعون ومكره، ويسخر له هذا الطاغية كما سخر له الماء من قبل، فالماء الذي من طبعه الإغراق جعله الله ملاذا آمنا لموسى وهو طفل رضيع، قال جل ثناؤه: ( إذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي) طه،38، 39) .
 وأيضا جعل الله الماء ملاذا لموسى وقومه، وذلك حينما خرج بقومه فرارا من فرعون وقومه، فكما حمل الماء نوحا وقومه، فقد انشق اليم لموسى عليه السلام وقومه، فالبحر الذي حفظ الله به موسى عليه السلام هو الذي أهلك الله فيه فرعون وقومه، وهو الذي انفلق لموسى وآواه، وهو الذي أطبق على فرعون وقومه، فالبحر المغرق جعله سببا للنجاة، فتبارك الله أحسن الخالقين، قال تعالى مخبرا عما فعل بموسى عليه السلام وقومه، وما صنع بفرعون وقومه:(وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لاَّ تَخَافُ دَرَكًا وَلا تَخْشَى. فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُم مِّنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ) طه ( 77،78).
 5 ـ الماء أفضل الأعمال وأعظم القربات إلي الله تعالي: 
إن سقي الماء من أفضل الأعمال وأعظم القربات، قد سئل ابن عباس أي الصدقة أفضل فقال الماء ألم تروا إلى أهل النار حين استغاثوا بأهل الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله، وروى أبو داود أن سعدا أتى النبي (ﷺ) فقال }أي الصدقة أعجب إليك قال الماء{
روي البخاري رحمه الله تعالي:” قال عثمان: قال النبي(ﷺ)}من يشتري بئر رومة فيكون دلوه فيها كدلاء المسلمين؟{ فاشتراها عثمان- رضي الله عنه.
وفي حديث عائشة عن النبي (ﷺ)}من سقى مسلما شربة من ماء حيث يوجد الماء فكأنما اعتق رقبة ومن سقى مسلما شربة من ماء حيث لا يوجد الماء فكأنما احياها{  (أخرجه ابن ماجة ). 
ولم يكتفي ببذل الماء مع الإنسان فقط بل وصل إلي الحيوان فقد روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله (ﷺ) قال :}بينا رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش فنزل بئرا فشرب منها ثم خرج فاذا كلب يأكل الثرى من العطش فقال لقد بلغ هذا الكلب مثل الذي بلغ بي فملأ خفه ثم أمسكه بفيه ثم رقي فسقي الكلب فشكر الله له فغفر له قالوا يا رسول الله وإن لنا في البهائم لأجرا قال في كل ذات كبد رطبة اجر{
 وعكس هذا ما رواه مسلم عن عبدالله بن عمر أن رسول الله (ﷺ) قال: }عذبت امرأة في هرة سجنتها حتى ماتت فدخلت فيها النار لا هي أطعمتها وسقتها إذ هي حبستها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض{
ولقد نهى الإسلام عن منع الماء عن المحتاجين إليه، وذلك للحفاظ على أرواحهم من الإهلاك، وتوعد المانعين بالعذاب الأليم في الآخرة، لقوله (ﷺ)” ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم، رجل كان له فضل ماء بالطريق، فمنعه من ابن السبيل، ورجل بايع إماما لا يبايعه إلا لدنيا فإن أعطاه منها رضي، وإن لم يعطه منها سخط، ورجل أقام سلعته بعد العصر، فقال: والله الذي لا إله غيره لقد أعطيت بها كذا وكذا، فصدقه رجل، ثم قرأ هذه الآية:{إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً}. 
كما أباح الإسلام قتال مانعي الماء عن المحتاجين إليه، لما روي أن قوما سفرا وردوا ماء، فطلبوا من أهله السماح لهم بالشرب منه، ويسقي دوابهم التي كادت أن تهلك من العطش، فأبوا فذكروا ذلك لعمر بن الخطاب-رضي الله عنه- فقال: “هلا وضعتم فيهم السلاح”.
 ولذلك اتفق جمهور العلماء أنه إذا كان هناك قوم قد اشتد بهم العطش، فخافوا الموت، فيجب على مالك الماء سقيهم، فإن منعهم، فلهم أن يقاتلوه عليه.
 6 ـ الماء وسيلة لترسيخ العقيدة:
لقد جاء الإسلام لترسيخ العقيدة في نفوس المؤمنين، وجعل من الماء وسيلة لبيان وحدانية الله تعالى، وقد بين ذلك في كثير من الآيات في كتابه الكريم، ففي قوله تعالى {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(21) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاء بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُون(22)}. البقرة .
وقال أهل العلم”: “وقصة الماء في الأرض، ودوره في حياة الناس، وتوقف الحياة عليه في كل صورها وأشكالها، كل هذا أمر لا يقبل المماحكة، فتكفي الإشارة إليه، والتذكير به، في معرض الدعوة إلى عبادة الخالق الرازق الوهاب”. 
كما ورد أن الماء من الأدلة على وحدانية الله تعالى، في قوله تعالى: { الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّن نَّبَاتٍ شَتَّى(53)} طه..
 سأل رجل أحد السلف عن الله ، قال له :ألم تركب البحر؟ ، قال : بلى ، قال فهل حدث لك مرة أن هاجت بكم الريح عاصفة قال نعم ، قال وانقطع أملك من الملاحين ووسائل النجاة ، قال نعم ، قال فهل خطر ببالك وانقدح في نفسك بأن هناك من يستطيع أن ينجيك إن شاء ، قال نعم ، قال فذاك هو الله لا إله إلا هو وسع كل شيء علماً ،قال تعالي {هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ ۙ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (22) فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ۗ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ ۖ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ(23)} يونس.
وهكذا فإن الماء ضروري لإقامة شعائر الإسلام، وذلك للحفاظ على الدين، وبسبب الماء يعرف المؤمنون يوم القيامة لأنهم الغر المحجلون من أثر الوضوء.
 أيها المسلمون:
 إن السعي في حصر خصائصه ووظائفه ومنافعه وفوائده تعجز الحاصرين، فلا شراب إلا بماء، ولا طعام إلا بالماء، ولا دواء إلا بالماء ولا نظافة إلا بالماء، ثم لا زراعة إلا بالماء، بل ولا صناعة إلا بالماء.
 لم تنقص قيمته لا بتقدم الإنسانية ولا بتخلفها، بل لقد زادت أهميته ثم زادت، حتى صاروا يتحدثون عن الأمن المائي والصراع على موارد المياه ومصادرها ومنابعها. والماء هو عماد اقتصاد الدول، ومصدر رخائها بإذن الله، بتوافره تتقدم وتزدهر، وبنضوبه وغوره وشح موارده تحل الكوارث والنكبات: قال تعالي{ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ(30)} [الملك].. 
وقال تعالي {وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ(18)} (المؤمنون ) 
العنصر الثالث : منهج الإسلام في التعامل مع الماء :
إن الماء مورد عظيم، بل إنه من أكبر الموارد التي تحتاج إليها كل أمة في كثير من ميادين حياتها ومعاشها، ولقد وضع الإسلام العظيم منهجا عظيما في التعامل مع الماء وهو علي النحو التالي :
 1 ـ الاقتصاد في استعمال الماء :
إن الماء هبة من الله تعالي فتوجب الشكر والشكر لهذه النّعمة يكون بعدم الإسراف فيها. وقد جاء التحذير صريحًا من الإسراف في الماء كما هو في الطعام فقال تعلى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31)” الأعراف. 
وقد جاء النهي كذلك على لسان سيّد البشر (ﷺ) كما ورد في الخبر: ”لا تُسْرِف ولو كنتَ على نهر جار”.
 وقد بينت السنة الفعلية مدى اهتمام نبيّنا (ﷺ) بالاقتصاد في الماء فكان يتوضّأ بالمد ويغتسل بالصاع.
 وحذّر من الإسراف في الوضوء فقال عليه الصّلاة والسّلام: ”يكون قوم في آخر الزمان يعتدون في الدعاء والطهور” رواه الإمام أحمد وأبو داود. 
إنّ الإسراف في الماء ولو لم يلحق أيّ ضرر بالغير فهو أمر مذموم وصاحبه مأثوم، فكيف إذا كان هذا الإسراف يسبّب ضررًا بالغير؟ 
فالمُسرف مبغوض عند الله كما جاء صريحًا في كتابه العزيز فقال تعالى:{ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ(31)} الأعراف 
وأمّا مَن كان سببًا في حرمان غيره من هذه النِّعمة والمادة الضرورية للحياة فهو بلا شك ضعيف الإيمان كما أخبر نبيّنا (ﷺ) : ”لا يؤمن أحدكم حتّى يُحبّ لأخيه ما يُحبّ لنفسه”. 
وقال عليه الصّلاة والسّلام: ”أفضل الصدقة سقي الماء”، وهذا يعني أنّ من أعظم الذنوب أن يمنع الإنسان غيره من الماء. 
ولقد شدد أهل العلم رحمهم الله في المنع من الإسراف بالماء ولو كان على شاطئ النهر أو البحر. 
يقول أبو الدرداء رضي الله عنه:(اقتصد في الوضوء ولو كنت على شاطئ نهر ). 
وقال محارب بن دثار (كان يقال: من ضعف علم الرجل ولوعه بالماء في الطهور). 
وجاء رجل إلى ابن عباس رضي الله عنهما، فقال: {يـابن عباس كم يكفيني من الوضوء؟
 قال: مد، قال: كم يكفيني لغسلي؟ قال: صاع، فقال الرجل: لا يكفيني، فقال ابن عباس رضي الله عنهما: لا أم لك! 
قد كفى من هو خير منك، رسول الله (ﷺ)} ]رواه أحمد والبزار والطبراني بسند رجاله ثقات[
ولذا عد العلماء الزيادة في غسل أعضاء الوضوء ثلاث مرات من الإسراف، وكذا من الإسراف حتى في حال الاقتصار عليها الزيادة في الكميّة المستخدمة عما تحصل به الكفاية، ولا يرتبط ذلك بندرة المياه في المكان أو وفرته، لأن نظرة الإسلام شمولية لا ترتبط بالمكان أو الزمان، فإن كان الماء وفيراً في بعض الأماكن، فهو نادر في كثير منها، كما لا يرتبط ببذل المال، بل يعد من الإسراف ترك صنابير المياه بغير إحكام في إغلاقها وإن كان التارك يدفع تكلفة ذلك، ومن الإسراف في استخدام الماء ترك (حنفيات) المرافق العامة كالمساجد والمستشفيات والمدارس وغيرها، لما فيه من إهدار للماء والمال العام، ناهيك عن الاعتداء على المياه بالتلويث لها، وإلقاء النفايات والحيوانات النافقة في مياه النيل، وصرف المصانع، وبعض المنشآت السياحية لمخلفاتها في المياه العذبة التي يشرب الناس منها، وهو عمل غاية في الإجرام والسقوط . 
إن الإنسان المعاصر قد وصل استهلاكه للماء إلى أرقام من الإسراف مخيفة، وبخاصة ما يصرف في الاستحمام والمراحيض والسباحة، وسقي الحدائق وأمثالها، فأما المستعمل في الشرب والطهي فلا يتجاوز نسبة 2%. 
إن توفير المياه وحماية مصادرها ورعاية محطات تنقيتها أهداف سامية لكل دولة، فالمساس بها والعبث بها، وإهمالها يشكل خطراً على أمنها وحياة رعاياها. 
أيها المسلمون:
 لا بد من الأخذ بالحزم في هذا الشأن، فالله سبحانه وتعالى لا يحب المسرفين، والمبذرون هم إخوان الشياطين، وإن عدم الشعور بالمسئولية، ونزعة الاتكالية، وإلقاء التبعة على الآخرين، مصيبة قاتلة، وسبيل لانهيار المجتمع، وضياع لحقوقه ومرافقه، فإذا تنصل المرء من مسئوليته، وتفلت من التزاماته؛ أصبح عضواً فاسداً وكلاً على مجتمعه، وعبئاً على أمته، ولو تعلل كل مؤمن بتقصير غيره؛ لما بقي في الدنيا حوافز للخير؛ لأن وجود الإهمال في بعض الأفراد أمر لا بد من وقوعه بصورة ما، في كل زمان ومكان، والعقلاء والجادون يتخذون من وقوع الأخطاء عند الآخرين مواطن عظة واعتبار، فيحاولون ما استطاعوا إصلاح الخطأ، وتغيير المنكر، والتعاون على البر والتقوى. 
إن من الخطأ المدمر، والهلاك المرضي: أن يتهاون بعض الناس فيقول: هذا من مسئولية فلان، وتلك من مسئولية الجهة الفلانية، والحق قوله (ﷺ): {كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته }
 أيها المسلمون:
 إن عقيدتنا بربنا سبحانه وتعالى، واعتمادنا عليه كبير، فهو سبحانه يصرف الماء بين الناس ليذكّروا، ولكن الأخذ بالأسباب، والسلوك على نهج الإسلام في التوسط والقصد والبعد عن الإسراف هو المنهج الحق، لا فضل للأمة في أن تبدد خيراتها بيديها، ولكن الفضل كل الفضل أن تكون قوية مسيطرة على أمورها، متحكمة في نظمها، حازمة في تدبير شئونها. إن الأمة تملك عزها، وتحفظ مجدها، بالحفاظ على ثرواتها ومواردها، والتحكم بما في يديها. 
إن الأمة إذا وقعت في عسر بعد يسر، تجرعت مرارة الهوان المصحوبة بحسرات الندم، فالإسراف يفضي إلى الفاقة، وبالإسراف تهدر الثروات، وتقوض البيوتات، وفي عواقبه البؤس والإملاق، يقول الله: {وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ * الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ} [الشعراء:151-152). 
المسرف همته الوصول إلى متعته ولذته، ولا يبالي بمصيره ولا بمصير أمته، كما حكى القرآن عنهم:{ وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً} (الإسراء:16).
 2 ـ تربية النفس على الحفاظ علي الماء وعدم تلويثه :
لقد نهى الإسلام عن السلوكيات الخاطئة في التعامل مع الماء، ودعا إلى عدم تلويثه، ولذلك كره التبول في الماء الراكد، والماء الراكد هو الماء الدائم في مكان واحد لا يجري ولا يتجدد، فقد حرم الإسلام التبول في الماء، لما فيه من إفساد الماء على مستخدميه فعَنْ النّبِيّ (ﷺ)، أنه قَالَ: (لاَ يَبُولَنّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدّائِمِ ثُمّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ)،  فالبول وهو نجس بطبيعته ضار بصحة الآدمي إذا اختلط بالماء لا سميا الراكد غير المتحرك، يساعد على انتشار الجراثيم لتلوث جميع الماء، وهذا يساعد على انتشار الأمراض، والإسلام ينفي إضرار الإنسان بنفسه أو غيره، ومن قواعده المتفق عليها قوله (ﷺ) “الا ضرر ولا ضرار”
وإذا كان الماء أصل الحياة، وكان بقاؤها رهنا بوجوده صالحا، فيمكن أن يكون وسيلة إفناء وفي ذلك آيات كثرة منها ما جاء في إغراق قوم نوح: (وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ. قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ. وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءكِ وَيَا سَمَاء أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاء وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) [هود:42، 43 ، 44] .
 وفي إغراق فرعون ومن معه يقول الله تعالى: (فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ. وَأَنجَيْنَا مُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ. ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ)[الشعراء:63 :66]،
 ويقول: (فَأَرَادَ أَن يَسْتَفِزَّهُم مِّنَ الأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ جَمِيعًا (103)) الإسراء . ونعوذ بالله من انقلاب نعمة الماء نقمة علينا.
 3 ـ النهي عن إدخال اليد في الإناء عند الاستيقاظ من النوم :
لقد نهى النبي (ﷺ) من استيقظ من منامه أن يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً، وقال (ﷺ): {فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده}.
فلعله مس سوءته، أو حك شيئاً متقرحاً من جسده، أو لعل هناك حِكَماً لم تتبين بعد. 
ومن هذه التوجيهات النبوية: التخصيص في وظائف اليدين، فاليد اليمنى تبعد عن مجالات التلوث والأقذار، وكل أمر يستدعي زيادة في الطهارة والتحرز. 
فتناول الطعام والشراب والمصافحة مخصوص باليمين، ومن أجل هذا نهى الإسلام أن تمس العورة باليمين، أو مواطن النجاسات والمستقذرات، تقول عائشة رضي الله عنها: {كانت يد رسول الله (ﷺ) اليمنى لطهوره وطعامه، وكانت يده اليسرى لخلائه وما كان من أذى } أخرجه أبو داود بسند حسن. 
وفي الحديث الصحيح: {إذا بال أحدكم فلا يأخذنَّ ذكره بيمينه، ولا يستنجي بيمينه، ولا يتنفس في الإناء } أخرجه البخاري .
4 ـ النهي عن التنفس في الإناء :
يكره التنفس في إناء الشرب إذا كان به ماء، وكان غيره يريد أن يشرب منه بعده،
لما فيه من الاستقذار، ونقل العدوى وكذا النفخ فيه، ففي الحديث: {إذا شرب أحدكم
فلا يتنفس في الإناء، فإذا أراد أن يعود فلينح الإناء، ثم ليعد إن كان يريد } رواه ابن ماجة من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
 5 ـ الأمر بتغطية الأواني وربط الأسقية :
ومن الآداب الإسلامية : الأمر بتغطية الأواني وربط الأسقية حتى لا يصل إليها غبار أو هوام، يقول رسول الله (ﷺ): {أطفئوا المصابيح إذا رقدتم، وأغلقوا الأبواب، وأوكوا الأسقية، وخمرِّوا الطعام والشراب ولوا بعود تعرض عليه } أخرجه البخاري .
الخاتمة :
 أيها المسلمون:
 إن ما يتحدث به بعض المهتمين من ذوي الشأن في أنحاء كثيرة من العالم من ظهور نقص في المياه، وتخوف من الشح في مصادرها، أمر ينبغي أن يؤخذ مأخذ الجد، وإن كان اعتماد المسلم على ربه سبحانه، فيضرع إليه ويلجأ إلى رحمته، فيستقيم على الطريقة، فيسقيه ماء غدقاً، ويتأخر الغيث عن موعده، فيتوجه المسلمون إلى ربهم دعاءً وصلاةً واستسقاءً. 
ومع كل ذلك لا بد أن يُؤخذ بالأسباب، فحسن الاستعمال، والاقتصاد في الاستهلاك، مسلك إسلامي رشيد، وما يتحدث عنه هؤلاء من مؤشرات نذر، وما يتحدثون عنه من الأمن المائي، وحروب المياه، ومعارك التعطيش، فإن الذي يجب أن يعلم، أن قضايا المياه قضايا إنسانية، وضرورات حياتية، يجب أن ينأى بها عن دائرة الصراعات والحروب، والابتزاز والمتاجرات والمزايدات، ولكنهم مع الأسف يؤذون البشرية، ويخوفونها بحروبهم الباردة والساخنة. 
قال تعالي : (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمْ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمْ الأَنهَارَ * وَسَخَّرَ لَكُمْ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ * وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (إبراهيم:32-34) 
عباد الله:
 إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ، وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى، وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ؛ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)
اذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون .
 
=====================
رابط pdf
رابط doc


الخميس، 9 يوليو 2026

الرفق كله خير

 


الحمد لله رب العالمين ... أمر باللين وخفض الجناح فقال تعالي}فَبِما رَحمةٍ مِّنَ اللهِ لِنتَ لَهم ولَو كُنتَ فَظَّاً غَليظَ القلب لانفضُّوا مِن حَولِكَ فاعفُ عَنهُم واستَغفِر لَهم وشَاوِرهُم في الاَمرِ فإذا عَزَمتَ فَتَوكَّل على اللهِ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَوَكِّلِينَ (159){ ]  آل عمران[ .

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ... له الملك وله الحمد وهو علي كل شيء قدير.. أمر باللين و الرفق في القول مع الجميع فقال لنبيه موسي وأخيه هارون عندما أرسله إلي فرعون  فقال تعالي } فَقُولَا لَهُۥ قَوۡلٗا لَّيِّنٗا لَّعَلَّهُۥ يَتَذَكَّرُ أَوۡ يَخۡشَىٰ (44) { ] طه[.

وأشهد أن سيدنا محمد رسول الله (ﷺ) حدد الغاية من بعثته فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله (ﷺ) : }إنما بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مكارمَ و في روايةٍ ( صالحَ ) الأخلاقِ{ ] أخرجه البيهقي[

فاللهم صل وسلم علي سيدنا محمد وعلي آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلي يوم الدين .

أما بعـد : فيا أيها المؤمنون.

إنّ من مهام الدين التي لا تنفصل عنه : تنظيم أنشطة الغرائز الفردية ، وتنظيم العلاقات الاجتماعية ، وأنشطة الغرائز لوحدها ذات بعدين:

بُعد فردي تنعكس آثاره على الفرد ذاته .

بُعد اجتماعي تمتد آثاره إلى المجتمع لتظهر في طبيعة علاقاته وفي صورته النهائية بالضرورة ..

وهذا النظام المعني بتنظيم ذلك كلّه هو النظام الاخلاقي ، ببعديه الفردي والاجتماعي.

 إن النظام الاخلاقي في بعديه ـ الفردي والاجتماعي ـ هو رسالة الأديان السماوية كافة ، ذلك أن مصدر هذه الاديان كلها واحد ، وهو الواحد ذاته المتفرّد بخلق الطبيعة البشرية والعالِم بأسره ، وبما يصلحها ويقودها إلى الكمال والتألّق ، ولربما أوجز خاتم الاَنبياء (ﷺ) دعوته في بعض جوانبها بقوله الشريف :

« إنّما بعثتُ لأتمم مكارم الاَخلاق »

الناظر في هذا الدين العظيم يجد أنه يعتمد في المقام الأول على الأخلاق، فالأخلاق هي قوام المجتمع الرقي وملاك الأمـة الفاضلة ،و بقاء الأمم والشعوب  متوقف علي أخلاق هذه الأمم وازدهار أخلاقها، لأن حاجة الناس إلي الأخلاق أشد من حاجتهم إلي الطعام والشراب لأنه بفقد الطعام والشراب يضعف البدن الظاهر ، أما بفقد الأخلاق هلاك الباطن وهو عبارة عن الروح والقلب وشتان بين هلاك الظاهر وهلاك الباطن ،فالأخلاق هي المؤشِّر على استمرار أمَّة ما أو انهيارها؛ فالأمة التي تنهار أخلاقُها يوشك أن ينهارَ كيانُها، كما قال أحمد شوقي رحمه الله تعالي:

وإذا أُصيب القومُ في أخلاقِهم     فأقِمْ عليهم مأتَمًا وعويلا

فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الدين.

فمن الأخلاق الهامـة التي نحتاج إليها في تعاملاتنا اليومية حتى يعم السلام والمودة والرحمة خلق الرفق ، لذلك كان حديثنا عن موضوعنا } الرفق كله خير{ وذلك من خلال هذه العناصر الرئيسية التالية ...

1ـ تعريف الرفق في الإسلام .

2ـ الرفق في القرآن الكريم .

3ـ الرفق في السنة النبوية المطهرة.

4ـ أنواع الرفق .

5ـ الآثار المترتبة على عدم الرفق.

6ـ كيف نتعلم الرفق .

7 ـ صور مضيئة من رفق النبي (ﷺ).

 8 ـ الخاتمة .

~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~

العنصر الأول : تعريف الرفق في الإسلام :

الرفق: ضد العنف والشدّة ، ويُراد به اليسر في الأمور والسهولة في التوصل إليها ، وأصل الرفق في اللغة هو النفع ، ومنه قولهم : أرفق فلان فلاناً إذا مكّنه مما يرتفق به ، ورفيق الرجل : من ينتفع بصحبته ، ومرافق البيت : المواضع التي ينتفع بها ، ونحو ذلك .

العنصر الثاني: الرفق في القرآن الكريم :

حثَّ القرآن الكريم على اعتماد الرفق خياراً مبدئياً في نهج الدعوة إلى الاِسلام ، واعتبره ركناً وأساساً مهماً يقوم عليه صرح الهدى الرسالي للفكر والعقيدة الحقّة التي دعي إليها جميع الاَنبياء والمرسلين ، ولقد تعددت لغة الخطاب القرآني لتمتلئ بها كلّ الآفاق التي يمتد إليها الرفق في معانيه الواسعة وغاياته البعيدة .. وسوف نصنف هنا الآيات الواردة في الرفق بحسب مواردها ،على النحو الآتي. الآية الاُولى : (اللين والعفو):

 خاطب الله سبحانه نبيه الاَكرم محمد (ﷺ) قائلاً : }فَبِمَا رَحۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمۡۖ وَلَوۡ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلۡقَلۡبِ لَٱنفَضُّواْ مِنۡ حَوۡلِكَۖ فَٱعۡفُ عَنۡهُمۡ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ وَشَاوِرۡهُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِۖ فَإِذَا عَزَمۡتَ فَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَوَكِّلِينَ (159)] {آل عمران[

اللين في المعاملة : الرفق : أي أنّ لينك لهم مما يوجب دخولهم في الدين ، لاَنك تأتيهم مع سماحة أخلاقك وكرم سجيتك بالحجج والبراهين .

فلولا هذا الرفق الذي اعتمده الرسول (ﷺ) مع من أُرسل اليهم لما تمكن من استقطاب الناس حول رسالته ، إذ إن الفظاظة والغلظة المناقضة للرفق واللين إذا ما اعتُمدت خياراً منهجياً في التبليغ والدعوة إلى الحق فإنَّ مردودها سيكون عكسياً ، لا يثمر استقطاب الناس حول ذلك الحق وإن كان أبلجاً.

وتعميقاً لروح الرفق واللين التي يريدها الله جل شأنه في الدعوة إلى الحق ، جاء التأكيد في نفس تلك الآية المباركة على ما يجسد حالة الرفق واللين العملي بين يدي المؤمنين ، في جملة مكارم الاَخلاق التي اهتم الاِسلام بتحقيقها على النحو الأكمل وإشاعتها بين الناس ، فهي تأمر بالعفو لمن يُسيء والغفران لمن يخطئ ، ليتجلى الرفق ويتمظهر اللين في حركة التغيير

والاصلاح على منهجية المبلغ الرسالي ( فَاعفُ عَنهم وَاستَغفِر لَهم ).

 الآية الثانية : ( خفض الجناح )

( واخفِضْ جَنَاحَكَ للمُؤمنِينَ ) وخفض الجناح كناية عن اللين والرفق والتواضع. أي ألِن لهم جانبك وارفق بهم ، والعرب تقول : فلان خافض الجناح إذا كان وقوراً حليما .. والمعنى : تواضع للمؤمنين لكي يتبعك الناس في دينك .

والتعبير عن تلك المعاني بخفض الجناح تعبير تصويري يمثّل لطف الرعاية وحسن المعاملة ورقّة الجانب في صورة محسوسة على طريقة القرآن الفنية في التعبير

وفي هذه الآية الكريمة تعبير آخر عن الرفق واللين واللطف واليسر، التي يحرص القرآن المجيد على أن يتخلق بها حملته ومبلّغوا تعاليمه ، وقد خوطب بها الرسول الاَكرم (ﷺ) وهو الذي يشهد له القرآن بقوله تعالى: }وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٖ (4)  ]القلم[

وقوله سبحانه :} لَقَد جَآءكُم رَسُولٌ مِّن أنفُسِكُم عَزِيزٌ عَلَيه مَا عَنِتُّم حَريصٌ عَلَيكُم بالمؤمنينَ رؤُوفٌ رَّحيمٌ {  ] التوبة[

وهو الذي يقول لأصحابه }إن أحبَّكم إليَّ، وأقربَكم مني في الآخرة مجلسًا،

أحاسنُكم أخلاقًا، وإن أبغضَكم إليَّ وأبعدَكم مني في الآخرة أسوَؤُكم أخلاقًا، الثَّرثارون المُتفَيْهِقون المُتشدِّقون{ ] السلسلة الصحيحة[

ـ فإذا كان الرسول الاَعظم (ﷺ) قد خوطب بمثل هذا الخطاب ( واخفِضْ جَنَاحَكَ لِلمُؤمنِين ) فمن باب أولى ان يقتدي المؤمن الرسالي بتلك الاخلاق العالية والتحلي بها ، تجسيداً لقوله تعالى }لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا (21){  ] الأحزاب[

فالقرآن الكريم أراد لنا عبور كل ذلك مع المؤمنين إلى بلوغ صفة التذلل لهم }أذِلَّةٍ على المؤمِنين أعِزَّةٍ على الكَافِرينَ{

ومن هنا يعلم أن خفض الجناح يستلزم تلك الصفة الراقية التي يستشعر المؤمن من خلالها كرامته ، وتقوى بذلك شخصيته ، ولا ريب أنّه لا يغفل المؤمن سر التذلل له ، ويدرك جيداً أنّه وليد التزام الطرف الآخر برسالته لا خوفاً ولا طمعاً ، وعندها سيندفع الطرف الآخر إلى نفس المبادرة ، فتتم المعادلة ، ويتحقق التوازن في بناء شخصية المؤمن الرسالي على أتم وجه.

لكنّ ذلك إنّما هو وقف على المؤمنين المخلصين والطيبين المتواضعين ، فالتواضع لهؤلاء إنّما هو تواضع لله ، وعلى العكس من ذلك يكون الموقف إزاء الخونة والمفسدين والمنافقين والمتكبّرين ، فالتكبّر عليهم عبادة ، بل جهاد في سبيل الله.

الآية الثالثة : ( عباد الرحمن )

قال تعالى: }وَعِبَادُ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلَّذِينَ يَمۡشُونَ عَلَى ٱلۡأَرۡضِ هَوۡنٗا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلۡجَٰهِلُونَ قَالُواْ سَلَٰمٗا (63){ ] الفرقان[

الرحمن ربنا سبحانه يعرّف عباده بجملة من الآيات المباركات في نهاية سورة الفرقان ، ويبتدىء ذلك بهاتين الصفتين المذكورتين في الآية المتقدمة.

الصفة الاَولى : هي السير على الاَرض هوناً أي بسكينة ووقار، بلا استعلاء وخيلاء ، الهون ، مصدر هان عليه الشيء يهون ، أي : خفَّ ، وهذا يعني أنّ مشيهم على الاَرض مشية مُرفِقٍ بها لا يثير غبارها ، لسهولة التعامل معها واللين في تماسها ، وخفّة الروح عليها.

ومن كانت هذه صفته مع الاَرض التي يطأها فهو مع ساكنيها ـ من بني جنسه ـ أهون في تعامله وأرقّ في معاشرته وأخفّ في روحه.  وبهذه الكلمات يرسم القرآن صورة المؤمن الحقّ ظاهرةً وباطنةً فالمشية ككل حركة تعبير عن الشخصية وعمّا يستكن فيها من مشاعر، والنفس السوية المطمئنة الجادّة القاصدة

تخلع صفاتها هذه على مشية صاحبها.

وليس معنى ( يمشون على الاَرض هوناً ) أنّهم يمشون متماوتين منكّسي الرؤوس متداعي الاَركان متهاوي البنيان ، كما يفهم بعض الناس ممن يريدون إظهار التقوى والصلاح! فهذا رسول الله (ﷺ) كان إذا مشى تكفّأ تكفّئاً وكان أسرع الناس مشية وأحسنها وأسكنها .. قال الاِمام عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه  : « كان رسول الله (ﷺ) إذا مشى تكفّأ تكفُّؤاً كأنّما ينحطُّ من صبب »

وهي مشية أُولي العزم والهمّة والشجاعة.

وأما الصفة الثانية : فهي ( إذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً ) فهم لا يمارون الجاهل ولا يقارعونه بالحجة تلو الحجة التي لا يستطيع هضمها وفهمها ، بل يرفقون به ويقدّرون مبلغ علمه ومستوى جهله ويرأفون بحاله.

الآية الرابعة : ( هجراً جميلاً )

( واصبِر على مَا يقُولُونَ واهجُرهُم هَجراً جَمِيلاً ).

الهجر الجميل : أن لا تتعرّض لخصمك بشيء ، وإن تعرّض لك تجاهلت.

أُمِر النبي (ﷺ) في هذه الآية المباركة بالصبر ـ الذي منه كظم الغيض ـ على ما يسمعه من الاَقوال البذيئة التي لا تليق ومقام النبوة الشامخ ، صبراً لا عتاب فيه على أحد ، ولا اعتزاز بالشخصية ، أو دفاع عن الذات ، بل تركهم إلى الله سبحانه ، مع الهجر الجميل الذي لا يترك في نفوسهم شيئاً من وخز الضمير ما داموا لم يقابلوا بالمثل ، بل بالهجر الجميل الذي لم يترك في نفوسهم اشمئزازاً من النبي (ﷺ) ولم يزرع فيهم ما يحول بينهم وبينه  مستقبلاً فلا يُقبلوا عليه ولا يسمعوا هديه ، بل كان هجراً جميلاً لم يقطع خيوط المودة ولم يهدم جسور التواصل التي تمر من خلالها رسالة السماء التي تنشد لأولئك التكامل وسعادة الدارين. 

الآية الخامسة : ( ادفع بالَّتي هي أحسن )

قال تعالى }وَلا تَستَوي الحَسنَةُ وَلا السّيّئةُ ادفَعْ بالَّتي هِي أحسَنُ فإذا الذِي بَينَكَ وَبينَهُ عَداوةٌ كأنَّهُ وَليٌ حَمِيمٌ {

في هذه الآية المباركة يتبين لنا حكم الله جلّ جلاله في المجالين :

التكويني والتشريعي ، عند التفريق بين الحسن والحسنة من جهة ، والسيء والسيئة من جهة اُخرى ؛ إذ إنّ إرادته سبحانه شاءت أن تكون الطبيعة ويكون العقل شاهدين على التفاوت بين الاثنين ، وإلاّ كان الحسن والقبيح على حدٍ سواء ، والمحسن والمسيء بمنزلة واحدة ، وواقع الحال ليس كذلك ؛ إذ عدم التساوي بين الحسنة والسيئة مسلّم عند سائر العقلاء ، ومقرر في جميع الشرائع بلا خلاف.

 ولا يخفى بأن الاساءة للآخرين لها آثارها السلبية في تحقيق التكافل والتعاون ، واثارة البغضاء والعداوة ؛ لذا كان الاَمر بدفعها من أقصر الطرق وأوضحها فائدة ، وأكثرها عائدة ، وذلك بان تقابل بالإحسان ؛ إذ الانسان مجبول على حب وتقدير من أحسن إليه.

العنصر الثالث : الرفق في السُنّة المطهّرة:

جاء في كثير من الاَحاديث الشريفة الحث على الرفق والدعوة إليه وبيان أهميته وتحديد أبعاده وتشخيص ثمراته ، ولا بأس بالوقوف على ضفاف شواطئ تلك الاحاديث ؛ لنغترف من عذب مائها الرقراق في زمن الظمأ ؛ حيثُ الافكار المادية العكرة وما نصبته لهذا الاِنسان من كؤوس مرة المذاق لا تروي الغُلّة ولا تشفي العِلّة.

النبي (ﷺ) يمدح الرفق :

لقد مدح النبي (ﷺ) الرفق بأحاديث كثيرة نذكر بعضاً منها :

1 ـ الرفق يُمنٌ والخُرق شُؤم :

قال (ﷺ) : « الرفق يُمنٌ والخُرق شؤمٌ ».

وهذا الحديث يصف الرفق باليُمن ، أي : البركة ؛ لمِا لَهُ من دور حيوي.

في شدّ أزر الناس بعضهم إلى البعض الآخر من خلال ما يزرعه في نفوسهم من المحبة والصفاء ، حتى يعودوا مباركين في تصرفاتهم ، فيعمّ اليمن ساحتهم وتتغشاهم بركات السماء.

2 ـ الرفق جمال :

وقال صلي الله عليه وسلم : « إنَّ الرفق لم يوضع على شيء إلاّ زانه ، ولا نُزع من شيء إلاّ شانه ».

وهذا الحديث يحكي جمالية الرفق في أنه لبوس حسن، يزين مرتديه، فمن تخلّق بالرفق فإنّ الرفق سيزينه ويزيده جمالاً ووقاراً وهيبة ، فلا يلتفت الآخرون إلى ما هو عليه من عيوب ونقاط ضعف لا ينجو منها عادة إلاّ الكُمّل من الناس ، وعلى العكس من ذلك فلو أن إنساناً يستجمع من المزايا الحميدة الشيء الكثير غير أنّه لا يتخلق بالرفق في تصرفاته ، فإنّ مثل هذا الاِنسان سرعان ما ينفر الناس منه لما للرفق من دورٍ مهم في الكشف عن الاخلاق العملية التي يتفاعل معها الآخرون.

  3 ـ جمال ماهية الرفق وحسن جوهره :

قال صلي الله عليه وسلم  : « لو كان الرفق خَلقاً يُرى ما كان مما خلق الله عزّ وجل شيء أحسن منه ».

ويبين لنا هذا الحديث جمال ماهية الرفق وحسن جوهره الباهر ، فهو صلي الله عليه وسلم يقول : « لو كان الرفق خلقاً يرى » ، أي : لو أن لحقيقة الرفق صورة مجسدة تظهر للعيان وتتمثل للإنسان « ما كان مما خلق الله عز وجل شيء أحسن منه » فهو يفوقها حسناً وجمالاً ، وبهذا الطرح الافتراضي والتصويري يبين لنا ما للرفق من جمالية في حقل الاخلاق وكيانها التكاملي الشامخ.

4 ـ الرفق خير :

وقال صلي الله عليه وسلم : « من أُعطي حظّه من الرفق أُعطي حظّه من خير الدنيا والآخرة ».

وفي هذا الحديث إخبارٌ عن الصادق الامين بأن من يرزق الرفق يرزق الخير كله. وهذا يعني أن الذي يزداد رفقاً ، يزداد من خير الدنيا والآخرة ، وعلى العكس سيكون حال الآخر الذي حُرم حظّه من العقل والوقار ، وصرعته الاَنا ، فاستبدل أناة بالحمق ، وجهلاً بالحلم ، فزرع لدنياه وآخرته ما يسوءه حصاده ، وتُطيل ندامته عقباه ..

5 ـ الرفق نصف المعيشة :

وقال صلي الله عليه وسلم: « التودد إلى الناس نصف العقل والرفق نصف المعيشة ، وما عال امرؤ في اقتصاد ».

وبهذا التشخيص الدقيق في بعده الاجتماعي تتوضح أهمية الانفتاح على الآخرين ، ومداراة عقولهم ، والانسجام معهم من خلال الرفق بهم دون الغلظة عليهم ، ويعتبر ذلك الرفق معادلاً لنصف الجهد الذي يبذله الاِنسان في دائرة عمله الاقتصادي بين أفراد المجتمع ، وهو صلي الله عليه وسلم بهذا يعطي أهمية فائقة للأخلاق في المجال الاجتماعي والاقتصادي اللذين لا ينفكان عن تلازمهما في تسيير عجلة الحياة المعاشية للفرد والأمة ، ولأجل هذه الحقيقة الحيوية جاء قوله صلي الله عليه وسلم  في الفقرة الاَخيرة وما عال امرؤ في اقتصاد.  

6 ـ الرفق كرم :

وقال صلي الله عليه وسلم: « الرفق كَرمٌ ، والحلم زَينٌ ، والصبر خيرُ مَركب ». بهذا الوصف النبوي الشريف يكون المتخلق بالرفق كريماً موقعه بين الناس ، يلزمهم تبجيله وتعظيمه على سجيته هذه. وبهذا الاحترام تتوسع دائرة الرفق بينهم

 لما للقدوة من أثر في تعميق المفهوم ، واستحقاقه لهذا التجليل جاء من تكرّمه

 وترفّعه عن متابعة الآخرين في هفواتهم وزلاّتهم.

 7 ـ الرفق وزير الحلم :

قال صلي الله عليه وسلم : « نِعمَ وزير الايمان العلم ، ونِعمَ وزير العلم الحلم ، ونِعمَ وزير الحلم الرفق ، ونِعمَ وزير الرفق اللين ». 

استوزر الرسول الاَكرم صلي الله عليه وسلم  العلم للإيمان ، الحلم للعلم ، الرفق للحلم واللين للرفق ، وبهذه المنظومة المباركة بيّن لنا التماسك الحيوي بين الايمان والعلم والاخلاق ، فمن أراد الاِيمان فعليه بالعلم ، ومن أراد العلم الذي يفضي إلى الاِيمان فعليه أن يتزين بالحلم الذي يجعل من العلم علماً هادفاً نحو التكامل لا العلم الذي يرافقه الغرور والعجب والتكبر ، ومن أراد إيماناً يستند إلى العلم النافع والمستوزر بالحلم فما عليه إلاّ التخلق بالرفق الكاشف عن واقعية الحلم وحقيقته.

الرفق الذي يتضمن : السماحة واللطف والانفتاح والتواضع وتكليم الناس على قدر عقولهم والتجاوز عن سيئاتهم والترفع من متابعة هفواتهم، رفقاً يتجلى فيه اللين وتمحى من ساحته الغلظة ، فلا خشونة عند التعامل ولا جفوة بعد التخاصم ، ولا طغيان عند البغي ، هكذا يريدنا رسول الله صلي الله عليه وسلم  في أبعادنا العلمية والايمانية والاخلاقية ، وهكذا كان هو ـ روحي له الفدى ـ مجسداً لأخلاق القرآن ، وسنته العملية هي التعبير الادق لكلِّ ذلك الخُلق النبوي العظيم ، ولأجل هذه الحقيقة الناصعة والمحجة البيضاء عرّفه ربه سبحانه وتعالى بقوله : ( وإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ).  

8 ـ الله رفيق يحب الرفق :

قال رسول الله صلي الله عليه وسلم « إنّ الله رفيق يحب الرفق ويعطي على

الرفق ما لا يعطي على العنف وما لا يعطي على سواه ». 

وفي حديث آخر قال صلي الله عليه وسلم : « إنَّ الله عزَّ وجل رفيق يحب الرفق في الاَمر كلّه ».

فالله جلَّ جلاله رفيق ، والرفق خلقه ، إذ هو اللطيف بعباده والرحمن بخلقه والرحيم بالمؤمنين ، يرأف ويتحنن ويعفو ويسامح ويغفر ويتوب ، برٌّ كريم ، ودود حليم ، وهو ـ جلّ ثناؤه ـ يحب لنا أن نتخلق بأخلاقه حتى نغدوا ربانيين بأخلاقنا ؛ فربنا الصادق يحب لنا أن نكون صادقين ، وربنا المحسن يحب لنا أن نكون محسنين ، وربنا الرفيق يحب لنا أن نكون رفقاء. ولاشك أنه يعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف.

9 ـ الله يعين على الرفق :

قال رسول الله صلي الله عليه وسلم : « إنّ الله يحب الرفق ويعين عليه ».

في هذا الحديث المبارك يبين لنا النبي صلي الله عليه وسلم أن الله مع كونه يحب الرفق ، فهو سبحانه يعين عليه ، فمن أراد التخلق بالرفق وسعى لاكتساب هذه الفضيلة فإنّ المد الاِلـهي يُقبل عليه ويقوّي فيه هذه العزيمة ، وهذا كقوله تعالى : ( إنَّهُم فِتيَةٌ آمَنُوا بِرَبِهِم وَزِدنَاهُم هُدىً ) فبعد أن أقبلوا على الايمان زادهم الله هدىً ، فكذا الحال في اكتساب سجية الرفق ، فإنّ الله يعين الساعين إليها بأن يسهل لهم سبل الوصول إلى بغيتهم التكاملية هذه.

فإذا وجدنا أنفسنا غير متخلقين بهذه السجية الفاضلة فإنّ العيب فينا ،

إذ لم نسع نحوها حتى تُقْبِل هي إلينا

10 ـ الرفق رأس الحكمة :

قال رسول الله صلي الله عليه وسلم  : « الرفق رأس الحكمة ، اللّهم من وليَ شيئاً من أمور أُمتي فرفق بهم ، فارفق به ، ومن شقق عليهم فاشقق عليه ».

الحكمة كما لا يخفى هي وضع الشيء في محله ، ولما كان الرفق هو من محامد الصفات التي يتصف بها الخالق المتعال وأنبياءه الكرام وذوي الحجى والالباب ، وبه يعالجون سقم الناس ، فهو الدواء المحكمة مراهمه، والبلسم الناجح شفاؤه ، ينفع مع الفرد في تطبيبه وتهذيبه ، ومع الاُمّة في تدبير أمرها وسَوْسها.

فالنبي الاَعظم صلي الله عليه وسلم  بعد أن يعرّف الرفق بأنه رأس الحكمة ، يتوجه إلى ربه بالدعاء بالرفق لمن يرفق بمن وُليَّ عليه ، وبالمشقة على من يشق عليهم ، ولاشك أن دعوة المصطفى حبيب الله هي دعوة مستجابة حتماً ، وهي في الوقت نفسه كشف عن قانون وإرادة سماوية في المكافأة والمجازاة

على الاَفعال. 

11 ـ أفضل الصاحبين :

الصحبة في الله عمل ممدوح ، باركه الاِسلام كثيراً ، وحثّ عليه ، وبشّر أهله بالثواب الجزيل والمنزلة الرفيعة ، لكن بين المتصاحبين في الله تفاضل ، فأحدهما أرفع منزلةً وأعظم أجراً من أخيه ، فبأيّ مزيّة نال هذا التفضيل؟

رسول الله صلي الله عليه وسلم  يكشف لنا عن سرِّ هذه المفاضلة ، فيقول : « ما اصطحب اثنان إلاّ كان أعظمهما أجراً وأحبّهما إلى الله عزَّ وجل : أرفقهما

بصاحبه ».

الرفق إذن هو الذي رفع أحد الصاحبين على أخيه درجةً ، وشرّفه بمنزلة من

حبّ الله أعلى.

12 ـ الزيادة والبركة :

إنّ الله تعالى ليجازي عباده على مكارم الاخلاق في الدنيا فيريهم ثمراتها ، كما يدّخر لهم ليوم لقائه ما هو أنمى وأبقى ، فما الذي يراه المتحلّي بالرفق في دنياه؟

قال صلي الله عليه وسلم  : « إنّ في الرفق الزيادة والبركة، ومن يُحرم الرفق يُحرم الخير »

وقال صلي الله عليه وسلم  : « ما زوي الرفق عن أهل بيت إلاّ زويَ عنهم الخير ».

وقال صلي الله عليه وسلم  : « من كان رفيقاً في أمره نال ما يريد من الناس ».

وقال الاِمام الصادق رضي الله عنه : « أيّما أهل بيت اُعطوا حظّهم من الرفق فقد وسّع الله عليهم في الرزق ، والرفق في تقدير المعيشة خيرٌ من السعة في المال ،

والرفق لا يعجز عنه شيء والتبذير لا يبقى معه شيء ، إنّ الله عزّ وجلّ رفيق يحبّ الرفق ».   

13 ـ الرفق في حقوق المؤمنين :

ركّز الاِسلام كثيراً عنايته بحقوق المؤمنين بعضهم على بعض ، حفظاً لكرامة الاِنسان المؤمن ، وصيانة للمجتمع ورصّاً لصفوفه ، قال تعالى : ( والمؤمِنُونَ والمؤمِنَاتُ بَعضُهُم أولِياءُ بَعضٍ ).

العنصر الرابع : أنواع الرفق :

1- الرفق مع النفس :

الرفق في النفس يكون بمجاهدتها والسعي إلى إقامتها على الطريق الصحيح , ويكون بعدم تكليفها ملا تطيق لأن في ذلك إهانة وإذلالا لها , قال تعالي " لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ " البقرة 286.
وعَنْ حُذَيْفَةَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:
} لاَ يَنْبَغِي لِمُؤْمِنٍ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ. قَالُوا : وَكَيْفَ يُذِلُّ نَفْسَهُ ؟ قَالَ : يَتَعَرَّضُ مِنَ الْبَلاَءِ لِمَا لاَ يُطِيقُهُ{. ]أخرجه أحمد . وابن ماجة  والتِّرْمِذِيّ[.
والرفق مع النفس يكون بنهيها عن الهوى والشهوات والشبهات , قال تعالى : " فَأَمَّا مَنْ طَغَى (37) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (38) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (39) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41)
] النازعات[ .
2- الرفق مع الوالدين:
أمرنا الله تبارك وتعالى بالإحسان إلى الوالدين وجعل الرفق بهما بعد عبادته سبحانه , قال تعالى
} وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا (25){ ] الإسراء[ .
3- الرفق مع الزوجة :
حث الله تعالى الزوج على حسن معاشرة زوجته والرفق بها والحنو عليها , قال تعالى :
} وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (19) { ] النساء[ .
وقال سبحانه  وتعالى:
}وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (132){  ]طه[.
وعنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما ؛ عن النبي (ﷺ), قال:
}خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لأَهْلِى{. ]أخرجه ابن ماجة[.
4- الرفق مع الاولاد :
الولد نعمة وهبة من الله تعالى يجب رعايته والعمل على حسن تربيته , قال تعالى :
} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَّ يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ { ]التحريم[
وتربية الأولاد تحتاج إلى الرفق والحنو ,عَنْ شُعَيْبٍ ، عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْروٍ ، . قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ (ﷺ) :
} لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا ، وَيَعْرِفْ حَقَّ كَبِيرِنَا{.] أخرجه أحمد و البُخَارِي الأدب المفرد[

وعَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ ، أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ يَقُولُ: كُنْتُ غُلاَمًا فِي حِجْرِ رَسُولِ اللهِ (ﷺ) ، وَكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ فِي الصَّحْفَةِ ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ (ﷺ): }يَا غُلاَمُ ، سَمِّ اللهَ ، وَكُلْ بيَمِينِكَ ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ{. . ]أخرجه أحمد والدارِمِي والبُخَارِي ومسلم[

وعنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ: أَبْصَرَ الأَقْرَعَُ بْنُ حَابِسٍ رَسُولَ اللهِ (ﷺ) وَهُوَ يُقَبِّلُ

الْحَسَنَ ، أَوِ الْحُسَيْنَ ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا ، فَقَالَ : إِنَّ لِي عَشَرَةً مِنَ الْوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ أَحَدًا مِنْهُمْ قَطُّ ، فَقَالَ النَّبِيُّ (ﷺ): }إِنَّهُ لاَ يُرْحَمُ مَنْ لاَ يَرْحَمُ{. ]أخرجه ،أحمد، والبُخار ومسلم[
5- الرفق مع الاقارب :
صلة الرحم طريق إلى السعادة في الدنيا والآخرة , فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ﷺ):
}مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُمَدَّ لَهُ فِي عُمْرِهِ، وَيُزَادَ فِي رِزْقِهِ، فَلْيَبَرَّ وَالِدَيْهِ، وَلْيَصِلْ رَحِمَهُ{. . ]مسند أحمد  صحيح[.
وقطيعة الرحم لون من الإفساد في الأرض , قال تعالى :
} فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (22) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (23){ ]محمد[ .
عن أنس-رضي الله عنه- قال: قال رسول الله (ﷺ):
} إن الرحم شُجْنةُ متمِسكة بالعرش تكلم بلسان ذُلَق ، اللهم صل من وصلني واقطع من قطعني ، فيقول ـ تبارك وتعالى ـ : أنا الرحمن الرحيم ، و إني شققت للرحم من اسمي ، فمن وصلها وصلته، ومن نكثها نكثه{ ]الحديث له اصل في البخاري – الفتح  والأدب المفرد ومجمع الزوائد  واللفظ له وقال : رواه البزار وإسناده حسن والترغيب والترهيب  وقال إسناده حسن[.
6- الرفق مع الحيوان :
وفي الإسلام يتعدى الرفق من الإنسان إلي الحيوان ، ولقد حكت لنا كتب السنة قصة الرجل الذي رفق بكلب فسقاه من العطش فغفر الله له وادخله الجنة , وقصة المرأة التي حبست هرة حتى ماتت فدخلت بسببها النار .وكل ذلك يؤكد عظمة هذا الدين وأنه دين يعني بكل الجوانب الإنسانية لأن في ذلك سعادة الإنسان وأمنه.
وعن أبي الأشعث , عن شداد بن أوس , قال : ثنتان حفظتهما عن رسول الله
(ﷺ), قال: }إن الله كتب الإحسان على كل شيء , فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة , وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح , ليحد أحدكم شفرته , وليرح ذبيحته{.. ]أخرجه أحمد  ومسلم و"أبو داود" و"ابن ماجة[

وأخرج مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة بسنده إلى أبي هريرة أن رسول الله (ﷺ) قال: } إن امرأة بغيا رأت كلبا ًفي يوم حار يطيف ببئر قد أدلع لسانه من العطش فنزعت له بموقها _أي استقت له بخفها _ فغفر لها { فقد غفر الله لهذه البغي ذنوبها بسبب ما فعلته من سقي هذا الكلب.
يقول رسول الله (ﷺ) على ما أخرجه البخاري ومسلم:
}عذبت امرأة في هرة لم تطعمها ولم تسقها، ولم تتركها تأكل من خشاش الأرض{

وروى البخاري بسنده إلى أسماء بنت أبي بكر أن النبي (ﷺ) قال:}دنت مني النار حتى قلت: أي رب وأنا معهم، فإذا امرأة حسبت أنه قال: تخدشها هرة _ : قال ما شأن هذه؟ قالوا: حبستها حتى ماتت جوعا ً{

قال النووي في شرح هذا الحديث عن مسلم: "إن المرأة كانت مسلمة وإنها دخلت النار بسببها، وهذه المعصية ليست صغيرة بل صارت بإصرارها كبيرة".
وقد حرم الإسلام تعذيب الحيوان ولعن المخالفين على مخالفتهم، فقد روى مسلم بسنده إلى ابن عباس أن النبي (ﷺ) مرّ على حمار قد وسم في وجهه فقال: "لعن الله الذي وسمه" وفي رواية له: " نهى رسول الله (ﷺ) عن الضرب في الوجه وعن الوسم في الوجه"، ورواه الطبراني بإسناد جيد مختصرا ً: "إن رسول الله (ﷺ) لعن من يسم في الوجه"

وروى الطبراني أيضا ًعن جنادة بن جراد أحد بني غيلان بن جنادة قال: أتيت النبي (ﷺ) بإبل قد وسمتها في أنفها، فقال رسول الله: "يا جنادة فما وجدت عضوا تسمه إلا في الوجه أما إن أمامك القصاص" فقال: أمرك إليها يا رسول الله (ﷺ).
وعن جابر بن عبد الله قال: مرّ حمار برسول الله (ﷺ) قد كوي وجهه يفور منخراه من دم، فقال رسول الله (ﷺ): "لعن الله من فعل هذا" ثم نهى عن الكي في الوجه والضرب في الوجه" رواه الترمذي مختصرا ًوصححه، والأحاديث في النهي عن الكي في الوجه كثيرة. وقد حرمت الشريعة الإسلامية تصبير البهائم أي أن تحبس لترمى حتى تموت  كما حرمت المثلة  وهي قطع أطراف الحيوان  فقد روي عن ابن عمر أنه قال: "نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن أن تصبر بهيمة أو غيرها للقتل".

وأخرج البخاري ومسلم عن المنهال بسنده إلى عبد الله بن عمر أنه قال: "لعن النبي (ﷺ) من مثّل بالحيوان"

 قال العسقلاني في شرح صحيح البخاري وقال العقيلي: "جاء في النهي عن صير البهيمة أحاديث جياد"، وقال ابن حجر (فتح الباري): "وفي هذه الأحاديث تحريم تعذيب الحيوان" والتحريم يقتضي العقاب.
وكل ذلك يؤكد أن الرفق في الإسلام خلق أصيل لا يتصف به إلا المؤمن الحق , ولا يلتزم به إلا من عرف الإسلام معرفة الموقن بأنه الدين الذي جاء ليتمم مكارم الأخلاق ويرفع من شأن القيم والفضائل.

العنصر الخامس : الآثار المترتبة على عدم الرفق:

حرمان الانسان كل الثواب والفضل الذي أخبر عنه النبي (ﷺ) وتقطعت العلاقات والأواصر  وانعدمت المودة والرحمة في المجتمع  وحرم المجتمع رحمة الله تعالي ( من لا يرحم لا يرحم )

تذهب اللين والرحمة والخشوع من القلب، وإنّ مجتمعًا ينعدم اللين والرحمة بين أفراده لهو مجتمع شين، كما أن مجتمعًا لا خشوع في قلوب أهله لهو مجتمعٌ محروم من كل خير.

2ـ  تزيل النعم وتأتي بالنقم، وتؤدي إلى الفرقة، وعدم التآلف، وذهاب الأخوة. 3ـ تكثر الضغناء والعداوة بين أفراد المجتمع، بل بين المجتمعات.

4ـ تؤدي إلى كراهية الناس لصاحب هذا المرض، والانصراف من حوله، والابتعاد عنه، يقول تعالى }وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ (159){ ]آل عمران[

5 ـ  تقعد صاحبها عن الخير، وتصده عن الهداية، وتغرقه في بحار الشهوات. 6ـ تعتبر قسوة القلب بوابة تفتح القلب لدخول الأمراض فيه، وهجومها عليه

 7 ـ تعرض صاحبها لإغواء الشياطين ووقوعه فريسة لهم، يقول تعالى }وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ(42)  فَلَوْلاَ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(43){  ] الأنعام[

8 ـ توقع صاحبها تحت تهديد المولى -عز وجل- له بالعذاب الأليم في نار جهنم }فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ (22) { ]الزمر[

9 ـ تُقرِّب قاسي القلب من زمرة اليهود، وعصاة الأمم.. يقول تعالى لليهود}ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً (74){ [ ]البقرة[

النصر السادس : كيف نتعلم الرفق :

إن حرارة الإيمان تستطيع أن تنضج القلوب فتلينها وترققها، فإذا غذاها وقود العمل الصالح والإكثار من الذكر، ومراقبة عدل الله وفضله وسلطانه المهيمن على جميع خلقه رقَّت القلوب وخشعت.. وكذلك المعرفة الحقة لله نعالي وذكر الله عزو جل وتلاوة كتاب الله تعالي وتذكر الآخرة وزيارة المقابر والنظر والاعتبار في الكون الفسيح والاحسان الي اليتامى  ومتى وصلت القلوب إلى

هذه المرحلة تدفقت منها الرحمة.

أما عند غياب هذه المعاني الإيمانية عن القلوب فإنها تتيه في ظلمات الضلال والغواية والعصيان، فتقسو وتتكبر. وما أعظمها من عقوبة ،والعجب أن صاحب هذا القلب لا يشعر بأنه معاقب. وما أشد هذه العقوبة وأعظمها، يقول مالك بن دينار: ما ضُرب عبدٌ بعقوبة أعظم من قسوة القلب، وما غضب الله على قوم إلا نزع الرحمة من قلوبهم.

العنصر السابع : صور مضيئة من رفق النبي (ﷺ) :

الرفق مع السائل: قال أنس: "كنت أمشي مع رسول الله (ﷺ)  وعليه برد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فجبذه بردائه جبذة شديدة، فنظرت إلى صفحة عاتق النبي (ﷺ) وقد أثَّرت بها حاشية الرداء من شدة جبذته، ثم قال: يا محمد، مر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه فضحك، ثم أمر له بعطاء. 

الرفق في تعليم الجاهل: عن معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه  يقول: "بينما أنا أصلي مع رسول الله (ﷺ) ، إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله. فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: وَاثُكْلَ أُمِّيَاهْ، ما شأنكم تنظرون إليَّ. فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يصمِّتونني، لكني سكتُّ، فلما صلى النبي (ﷺ) ، فبأبي هو وأمي، ما رأيت معلمًا قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه، فو الله ما كهرني ولا ضربني، ولا شتمني، قال: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن.

الرفق في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: عن أَبي هريرة رضي الله عنه  قَالَ: "بال أعرابي في المسجد، فقام الناس إليه ليقعوا فيه، فقال النبي : (ﷺ) }دعوه وأريقوا على بوله سَجْلاً من ماء أو ذَنُوبًا من ماء؛ إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين{.

وحديث الشاب الذي جاء يستأذن في الزنا ..والأمثلة كثيرة علي الرفق

الخاتمة:

  فما يبقي لنا إلا أن نراجع أنفسنا ونصحح أخطائنا ونحاسب أنفسنا ونعتذر لمن أخطأنا في حقه وتعاملنا معه بالعنف من أجل الله تعالي ورسوله صلي الله عليه وسلم . والله تعالي أعلي وأعلم

~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~ 

رابط pdf

https://top4top.io/downloadf-38420okuj1-pdf.html

رابط doc

https://top4top.io/downloadf-384214ykq2-docx.html

المشاركة المميزة

الماء هبة الله تعالي وسر الحياة

  الحمد لله رب العالمين … الحمد لله بارئ البريات وعالم الخفيات، المطلع على الضمائر والنيات… وهب لنا الحياه وأوجدنا من العدم وأنعم علينا بالن...