الحمد لله رب العالمين ، الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ، وبعفوه تغفر الذنوب والسيئات ، وبكرمه تقبل العطايا والقربات ،وبلطفه تستر العيوب والزلات ، وبتوفيقه تتحقق المقاصد والغايات ، أكرمنا بالقرآن فأخرجنا به من الظلمات إلى النور، وأرشدنا به إلى سبل السلام ، وهدانا إلى صراطه المستقيم ، فقال تعالى}قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ(14) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (16){ [المائدة].
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له... له الملك وله الحمد يحي ويميت وهو على كل شيء قدير .... أمر عباده بأن يكونوا ربانيين لا يتعلقون بأشخاص ولا هيئات، فقال تعالى } مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤۡتِيَهُ ٱللَّهُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحُكۡمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادٗا لِّي مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَٰكِن كُونُواْ رَبَّٰنِيِّـۧنَ بِمَا كُنتُمۡ تُعَلِّمُونَ ٱلۡكِتَٰبَ وَبِمَا كُنتُمۡ تَدۡرُسُونَ (79){ ]آل عمران [وأشهد أن سيدنا محمد رسول الله (ﷺ)... كان عبدًا ربانيًّا يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه من طول القيام فقالت له زوجته عائشة مشفقة عليه:}لِمَ تصنع هذا وقد غُفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟، قال: أفلا أكون عبدا شكورا؟{[متفق عليه]..
فاللهم صل علي سيدنا محمد وعلي آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا ...
أما بعد .. فيا أيها المؤمنون ....
فإن النفس البشرية المؤمنة تحتاج إلى استثارات إيقاظية قوية كلما لفها الكسل عن الطاعة وأقعدها الميل إلى المتاع .
وفي غمرة الزحام الدنيوي المتكاثر من الملهيات والمكتسبات المادية المحضة تتطلع نفس المؤمن إلى الربانية لترفعها عن الأرض وترفرف بها إلى عنان الأفق الرباني الرحب.
فالناس مختلفون في عقائدهم وأفكارهم وتدينهم، حتى قال سيدنا على بن أبي رضي الله عنه فقال: "الناس ثلاثة : فعالم رباني ، ومتعلم على سبيل النجاة ، وهمج رعاع أتباع كل ناعق"
فأما العالم الرباني فهو الذي لا زيادة على فضلة لفاضل ولا منزلة فوق منزلته لعامل.
فالأمه التي تخلو من الربانيين أمة تبدأ شمسها في الزوال.
لذلك أمرنا الله تعالى بأن تكون كل أعمالنا مرتبطة بالربانية فقال تعالى } مَا كَانَ
لِبَشَرٍ أَن يُؤۡتِيَهُ ٱللَّهُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحُكۡمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادٗا لِّي مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَٰكِن كُونُواْ رَبَّٰنِيِّـۧنَ بِمَا كُنتُمۡ تُعَلِّمُونَ ٱلۡكِتَٰبَ وَبِمَا كُنتُمۡ تَدۡرُسُونَ (79){ ]آل عمران [ ، لذلك كان حديثنا } وَلَٰكِن كُونُواْ رَبَّٰنِيِّـۧنَ{وذلك من خلال العناصر الرئيسية التالية :
1ـ تعريف الربانية.
2ـ من هو الرباني.
3ـ حاجة الأمـة إلى الربانيين.
4ـ الوصول إلى الربانية.
5ـ أثر الربانية في حياة الأمــة.
6ـ أثر غياب الربانيين على الأمـة.
7ـ نماذج رائعة للربانيين.
8ـ الخاتمة.
============================
العنصر الأول: تعريف الربانيــة :
هي معرفة الله والانتساب إليه، عن طريق العلم والفقه والعبادة، وثمرتها في القلوب: ( التقوى والإخلاص والثبات)، وفي اللسان: (التلاوة والذكر والدعاء)، وفي الجوارح: (الحكمة والحلم والصبر)، ويكون أهلها قادة ومعلمين ومصلحين للناس في أمور دينهم ودنياهم.
فالربانية مرتبطة تارة بالتعليم والتربية ، وتارة بقيام الأمة بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وتارة ثالثة بمنهج الحِكم والتلقي.
العنصر الثاني: من هو الرباني؟
ورد ذكر الربانيون في القرآن الكريم على ثلاثة ألفاظ جامعة للربانية لتكون دليلاً عليها وهي (رَبَّانِيِّينَ، الرَّبَّانِيُّون، رِبِّيُّونَ) :
ورد لفظ (رَبَّانِيِّينَ) مرة واحدة في القرآن الكريم، وفي الآية التي ورد فيها اللفظ جعل الله الأمر بالاتصاف قال تعالى }وَلَٰكِن كُونُواْ رَبَّٰنِيِّـۧنَ (79){ ] آل عمران[
وورد لفظ (الرَّبَّانِيُّون) في القرآن الكريم مرتين:
الآية الأولى: وضحت حرص الربانيون على تحكيم شرع الله وفق كتاب الله قال تعالى: }إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ
فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ(44){ ]المائدة[
والآية الثانية: بينت أن الربانيين من أهم صفاتهم الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر قال تعالى: }لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ
السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ(63){ ]المائدة[ .
ورد لفظ (رِبِّيُّونَ) في القرآن الكريم مرة واحدة، ووصف الربيون أتباع الأنبياء في هذه الآية بالجهاد والتضحية والثبات والصبر، قال تعالى: }وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا
اسْتَكَانُوا وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ(146){ ]آل عمران[
من خلال ما سبق نستطيع أن نحدد من هو الرباني :
1ـ المنتسب إلى الرب العارف به :
قال ابن عاشور رحمه الله: والرَّبَّانيُّ وهو العالم المنسوب إلى الرب، أي إلى الله تعالى، لأن النسب إلى الشيء إنما يكون لمزيد اختصاص المنسوب بالمنسوب إليه.
وقال محمد بن سوار رحمه الله: الربّاني الذي لا يختار على ربه أحداً سواه.
وقال الرازي رحمه الله: الربّاني أن يكون الداعي له إلى جميع الأفعال طلب مرضاة الله.
قال القشيري رحمه الله : "الرباني من كان لله وبالله لم تبق منه بقية لغير الله".
2ـ العالم العامل بعلمه.
الرباني العالم بدين الرب الذي يعمل بعلمه، لأنه إذا لم يعمل بعلمه فليس بعالم.
وقال القشيري رحمه الله: " وقد جعل الله الربانيين تالين للأنبياء الذين هم أولو الدّين، فهم خلفاء ينهون الخلق بممارسة أحوالهم أكثر مما ينهونهم بأقوالهم"
تبين من التعريف السابق أن الرباني الحق هو الذي يترجم علمه الرباني إلى عمل صادق، فهو للخيرات من السابقين، وللطاعات من المنافسين، وللجنات من المسارعين ، له في كل خير سهم ، وفي كل بِّر غنيمة. قال تعالى: }أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ(61){ ]المؤمنون[ .
ينبغي أن يكون الشخص الرباني قدوة ، الرباني قدوة بلا شك حتى قال الشافعي لمؤدّب أولاد هارون الرشيد، قال له: "ليكن أول ما تبدأ به من إصلاح أولاد أمير المؤمنين إصلاحك نفسك، فإن أعينهم معقودة بعينك، فالحسن عندهم ما تستحسنه ، والقبيح عندهم ما تركته"
3ـ الفقيه العالم الحكيم الحليم:
أن يكون عالما فقيها، والفقه هو فهم غرض المتكلم من كلامه { وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ (282)} [ البقرة ]
وقال تعالى: }كونُوا رَبَّانِيِّينَ(79){ ]آل عمران[ .
قال ابن عباس وأبو رَزِين وغير واحد رضي الله عنهم: أي حكماء علماء حلماء، وعن قتادة رحمه الله قال: كونوا فقهاء علماء.
وعن السدي رحمه الله قال: "كونوا فقهاء حكماء".
وقال الطبري رحمه الله : "الربانيون، هم عمادُ الناس في الفقه ، والعلم وأمور
الدين والدنيا".
ومن علامات العالم المتحقق بالعلم :
1ـ مطابقة القول العمل: أن يسبق السلوك الطيب والأخلاق الحسنة أي بيان نظري أو وعظ.
2 ـ الاعتماد على الوحيين: الانطلاق في الدعوة من القرآن الكريم والسنة النبوية بفهم سلف الأمة، والبعد عن الهوى والآراء الشخصية.
3ـ لديه مؤهلات ، وصفات مؤثرة .
4ـ الثبات على المبدأ.
5ـ الاعتراف بالخطأ والسعي لتصحيحه.
6ـالاهتمام بالكليات قبل الجزئيات.
4ـ التقي العابد الحكيم:
عن سعيد بن جبير في قوله تعالى: ﴿كونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾.
قال: كونوا حكماء أتقياء.
وروي عن علي ابن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: "هم الذين يغذّون الناس
بالحكمة، ويربونهم عليها".
فالرباني من عَمّر باطنه بالتقوى، وظاهره بالعبادة، أجرى الله الحكمة على يديه.
وفتح له قلوب الناس قال تعالى: }يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ
أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (269){ ]البقرة[
5ـ المربي المصلح:
قال سيدنا عبد الله ابن عباس رضي الله عنهما: الربَّانيُّ بأنه هو "الذي يُربي الناس بصغار العلم قبل كباره".
فهو يربى على الجزئيات قبل الكليات.
- يربى على وضوح المسائل قبل ما دق منها.
- يربى على الأصول قبل الفروع.
- يربى على المقدمات قبل المقاصد
ـ يربي على المتفق عليه قبل المختلف فيه.
ـ التأليف قبل التعريف.
ـ التعريف قبل التكليف.
ـ التدرج في التكاليف: مراعاة أحوال المدعوين والأخذ بهم نحو الالتزام شيئاً فشيئاً. (كما حُرِّمت الخمر على مراحل ، وفرض الحجاب ، وهكذا....)
ـ الرفق في الدعوة والتبشير وتقديم اليسر على العسر، امتثالاً للقاعدة الشرعية "درء المفاسد مقدم على جلب المصالح"
وقال أبو العباس الحلبي رحمه الله: والربانيون جمع رباني، منسوب إلى لفظ
الرب بمعنى التربية، وذلك أن العلماء يُرَبُّون العلم، أي يصلحونه ويتعلمونه، ثم
يُرَبُّون الناس به فيعلمونهم كما تعلموا، ويصلحونهم كما صلحوا هم به، وهم الذين يُرَبُّون بصغار العلم قبل كبارها، فهو من لفظ التربية ومعناها .
وقال الطبري رحمه الله : "وأولى الأقوال عندي بالصواب في الربانيين أنهم
جمع رباني، والرباني المنسوب إلى الرَّبَّان، الذي يربُّ الناسَ، وهو الذي يُصْلح أمورهم، ويربّها".
فالربانيون يحبون الخير لكل الناس، فهم صالحين في أنفسهم مصلحين لغيرهم، يربون أنفسهم على الفضائل ويربون الآخرين عليها ، سعادتهم تكتمل يوم يسعد الناس، فرحهم يوم يصلح الناس، يريدون صلاح الدين والدنيا لمن حولهم وفق منهج الله.
فوجود هؤلاء المصلحين ضمان لعدم هلاك الناس قال تعالى: }وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ(117){ ]هود[
قال تعالى: }وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (170){ ]الأعراف[
6ـ القائد السياسي:
والرباني الجامعُ إلى العلم والفقه، البصير بالسياسة والتدبير والقيام بأمور الرعية ، وما يصلحهم في دُنياهم ودينهم .
وقال آخرون: "بل هم ولاة الناس وقادتهم".
وعليه فالرباني قائد للناس في كل خير، يمتلك فنون القيادة والسياسة ،ويعمل على
إسعاد من يقودهم في أمور الدين والدنيا.
وهنا لابد على الرباني أن يتدرب على فنون القيادة والسياسة حتى يقود الآخرين
بعلم وخبره ليسعدهم، ويصلح أحوالهم.
ومن أعظم الأزمات التي تعانيها الأمة اليوم قلة القيادات الربانية في مختلف الميادين.
ما أحوجنا للتأمل والاقتداء بالقائد الرباني السياسي ذي القرنين قال تعالى}إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا(84){﴾ ]الكهف[ .
7ـ الفقيه بواقع أمته :
"والرباني العالم بالحلال والحرام، والأمر والنهي، العارف بأنباء الأمة ما كان
وما يكون"
وهذا يعني أن الرباني لا يعيش لنفسه فقط بل يعيش لأمته فهو يتابع أحوال
المسلمين في كل مكان، يفرح لفرحهم، ويحزن لحزنهم، ويقدم لهم كل ما يستطيع ولو دعوات حارة في سجوده وخلواته.
ولنا في الرجل الرباني مؤمن آل يس عبرة وعظة، الذي حمل همّ الدعوة حياً
وميتاً وهو حريص على هداية قومة ، قال تعالى: }قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ(27){ ]يس[
8ـ شديد التمسك بدينه وطاعته لربه:
قال الزمخشري رحمه الله "الرباني هو الشديد التمسك بدين اللَّه وطاعته"
فالرباني حريص على دينه متمسك به ثابت عليه، الدين رقم واحد في حياته فلا يُقدّم عليه شيئا فهو يؤدي الفرائض بتمامها، ويكثر من النوافل، متجنبا للمحرمات ، والمكروهات.
شعاره: اللهم لا تجعل مصيبتي في ديني.
ودعاؤه: يا مقلب القلوب ثبتي قلبي على دينك.
من خلال ما سبق نخلص إلى أن الرباني: هو القريب من الله، العارف بالله ، العابد له، المستمسك بدينه، فنيته لله، وقوله ذكر لله، وأفعاله في مرضاة الله، فهو لله في إخلاصه، وصدقه، وبالله في توكله واستعانته، ومع الله في سره وجهره، وهو العالم الفقيه ،العامل بعلمه، المعلم لغيره، القائد لمجتمعه، الفقيه بواقعه، المصلح لأمته، فمن كان ذلك استحق شرف الانتساب إلى الله وكان ربانياً بحق.
العنصر الثالث: حاجة الأمـة إلى الربانيين:
إنَّ العلماءَ الرَّبانيينَ هم النُّجوم المضيئةُ في سماء هذا العالمِ؛ فبهم يهتدي النَّاسُ في مساربِ هذه الحياةِ؛ فإذا غابوا أو غُيِّبوا سادَ الظلامُ الدَّامسُ أرجاء الأرض، وتخبَّطَ الخلقُ في دياجيرِ الظلمةِ؛ فلا يعرفونَ طريقاً، ولا يهتدونَ سبيلاً؛ كما قال
أحدُ السلفِ رحمه الله: }مثل العلماء مثل النجوم التي يُهتدى بها، والأعلام التي
يُقتدى بها، إذا تغيَّبتْ عنهم تحيَّروا، وإذا تركوها ضَلُّوا{
وكُلَّما عصفتْ بالأُمَّةِ رياحُ الفتنِ العاتيةِ، وضَربتْ بها أعاصيرُ المحنِ القاسيةِ؛ عَظُمتْ الضَّرورةُ إلى هذا الطراز الفريدِ من أهل العلمِ، وصارتْ الأُمَّةُ في مسيس الحاجة إليهِ.
ولقد أرسل الله تعالى الأنبياء والمرسلين من أجل هداية البشرية فقال عن وظيفة نبيه (ﷺ): }هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ
وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ (2){ [الجمعة]
ولا يزال في هذه الأمة بعد نبيها (ﷺ) من يقوم بهذا العمل، وهو يعلّمهم ويزكّيهم، ولا يزال العلماء الربانيون هم صمام أمان الأمة؛ وهم حصن المجتمع، فحاجتهم إليهم أعظم من حاجة الناس للطعام والشراب ، فهم ورثة الأنبياء، بهم يُهتدى في ظلمات الجهل والفتن، ويحفظون للدين هيبته، وللأمة هويتها وقيمها، ويأخذون
بيدها إلى الطريق المستقيم.
لذلك كان الأمر من الله تعالى:}مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ
وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللّهِ وَلَكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ
تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ(79){ ] آل عمران[
من خلال الآية الكريمة يتضح أن واجب الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، ومن جاء بعدهم من الدعاة الربانيين في كل زمان ومكان، أن يربطوا الناس بربهم وخالقهم، ويقولوا لهم: كونوا ربانيين في عبادتكم، وتعاملاتكم، كونوا ربانيين في سركم، وجهركم، كونوا ربانيين في أقوالكم، وأفعالكم، كونوا ربانيين في أنفسكم، وبيوتكم، ومجتمعاتكم، كونوا ربانيين في أمتكم، كونوا ربانيين في حياتكم كلها }قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(162){ ] الأنعام[
إن الدعاة الربانيين هم حجر الزاوية في البناء، ومحور التغيير في الواقع، وقادة الخير للأمة في كل العصور، فالمسؤولية عليهم كبيرة، والحمل ثقيل، والواجب عليهم عظيم، وذلك بقيادة الأمة إلى مصدر عزتها، وسر قوتها، وعنوان نهضتها ، وذلك بالعودة الصادقة إلى الله تعالى الذي بيده مقاليد الأمور كلها }وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ (123){ ]هود[ .
تتجلى حاجة الأمة الماسة للربانيين في العصر الحالي من خلال الأدوار المحورية التالية :
1ـ تصحيح المفاهيم وتجلية الشبهات:
بيان الدين الحق، والرد على التيارات الفكرية المنحرفة بعلم وتأصيل، لحماية عقول الشباب من الضياع ، والدفاع عن الدين ضد أهل البدع المشككين وأصحاب الشبُّهات، }الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا(45){ [الأعراف] ، شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا، فيتصدون لهم، ينفون تأويل الجاهين وانتحال المبطلين وتحريف الغالين ويردون على أهل البدع ويبينون حقيقتها ولا يسكتون.
ويقومون بتربية الناس على احترام النص الشرعي (الكتاب والسنة) وتقديسه في النفوس، لأن المؤامرة الآن تستهدف تشويه الكتاب والسنة ، مثل الطعن في السنة النبوية المقدسة بحجة أنها لا توائم العصر، ولا تلبي احتياجات الناس، فتحتاج إلى تجديد، فتسمع من يطعن في الإمام البخاري رحمه الله تعالى، ومنهم من يطعن في الصحابي الجليل سيدنا أبو هريرة رضي الله عنه ، ومنهم من
يطعن في أمنا السيدة عائشة رضي الله عنها .
وهذا الطعن ليس في شخصية الراوي وإنما الهدف منه إبطال السنة النبوية
المشرفة ، لأنهم من المكثرين لرواية الحديث.
لذلك قيض الله تعالى العلماء الربانيين ليتصدوا لهذه الافتراءات ويدافعوا عن السنة المطهرة.
فالربانيون يعظّمون النصوص في نفوس الناس، ويرشدون الناس إلى معانيها.
وهذا حق النبي (ﷺ) علينا ، وحق سنتة يجب أن ندفع عنهما ، كيف لا ، وهو القائل عن أبي الدرداء رضي الله عنه :قال : قال رسول (ﷺ) {من ردّ عن عِرْض أخيه المسلم ، كان حقاً على الله عز وجل أن يردّ عنه نار جهنم }
[أخرجه الترمذي وغيره وحسنه ].
هذا في حق الناس ، فكيف بحق المصطفى (ﷺ) ، الذي أخرجنا الله به من الظلمات إلى النور، ومن الشقاء إلى السعادة ، ومن الجهل إلى العلم .
يجب على كل مسلم ومسلمة ،أن يدافع عن رسولنا الكريم (ﷺ) ويذب عن سنته ، وينافح ويناضل أهل المجون ،ويطالب بأخذ حقه (ﷺ) ممن أخطأ عليه .
لقد أخبر النبي (ﷺ) من ألف وأربعمائة وسبع وأربعين عاما عن أولئك الذين يأتون في هذا الزمان وينفون السنة ، فعن أبي رافع رضي الله عنه، قال: قال رسولُ الله (ﷺ):{لا أُلْفِينَّ أحدَكم متكئًا على أريكته، يأتيه أمرٌ مما أمرتُ به، أو نهيتُ عنه، فيقول: لا أدري، ما وجدنا في كتاب الله اتَّبَعناه}[روى أبو داود
والترمذي وقال: حسنٌ صحيحٌ، وصححه الألباني]
وعَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يَكْرِبَ رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ (ﷺ) أَنَّهُ قَالَ:{أَلاَ إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ ،أَلاَ يُوشِكُ رَجُلٌ شَبْعَانُ عَلَى أَرِيكَتِهِ، يَقُولُ: عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْقُرْآنِ! فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلاَلٍ فَأَحِلُّوهُ! وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ}
(وَمِثْلَهُ مَعَهُ): أراد بذلك السُّنة التي أُوتي.
[رواه أحمد ؛ وأبو داود، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود].
ويقوم العلماء الربانيين بتصفيةُ العلمِ مِنْ لوثاتِ التحريف، وتنقيتهُ مِنْ شوائبِ التزييف؛ عملاً بحديثِ رسولِ الله (ﷺ)، عن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري قال: رسول الله(ﷺ):}يحمل هَذَا الْعلمَ منْ كُلِّ خلفٍ عدوله، ينفون عَنهُ تَحْرِيف الغالينَ، وانتحال المبطلينَ وَتَأْويل الْجَاهِلين{ [رواه البيهقي[
من هؤلاء الربانيين الذين دافعوا عن السنة النبوية المطهرة ، الإمام البخاري محمد بن إسماعيل ( ت 256 هـ):
رأى النبيَّ (ﷺ) في المنام؛ قال يصف تلك الرؤيا: "وكأنني واقفٌ بين يَدَيْه، وبيدي مروحة أذبُّ بها عنه، فسألتُ بعض المعبِّرين؛ فقال لي: أنت تذبُّ عنه الكذب ؛ فهو الذي حملني على إخراج الجامع الصحيح".
وقال: "كنا عند إسحاق بن رَاهَوَيْه، فقال: لو جمعتم كتابًا مختصرًا لصحيح سنَّة
رسول الله (ﷺ)!
قال: فوقع ذلك في قلبي؛ فأخذتُ في جمع الجامع الصحيح".
كانت رؤياه وقولُ شيخه حافزًا على جَمْعِه "الصحيح"، الذي لا يوجد على وجه الأرض كتابٌ أصحُّ منه إلا كتابُ الله تعالى.
وما كان ذلك إلا توفيقًا من الله تعالى، وكَرَمًا منه لهذا الإمام العظيم، ثم تحرِّي هذا الإمام ودقَّته، وكثرة استخارته؛ حتى خرج كتابه على أحسن وجه.
يقول رحمه الله تعالى: "ما وضعتُ في كتاب "الصحيح" حديثًا إلاَّ اغتسلت قبل ذلك وصليتُ ركعتين"!
ويقول: "صنَّفْتُ "الجامع" من ستمائة ألف حديث، في ست عشرة سنة، وجعلته حُجَّةٌ فيما بيني وبين الله".
ابتدأ تصنيفه وترتيبه وتبويبه في المسجد الحرام، وحوَّل تراجمه في الرَّوضة الشريفة في مسجد رسول الله (ﷺ) وكان يصلِّي لكلِّ ترجمةٍ ركعتَيْن، ويدلُّ هذا على تعظيمه لحديث رسول الله (ﷺ) لأنه كان يرى أن الاشتغال بالحديث من أعظم ما يقرِّب إلى الله تعالى، حتى كأنَّ المشتغِل بالحديث مُجالس لرسول الله
(ﷺ) وصَحْبه الكرام.
2ـ القيادة الرشيدة وقت الفتن:
هم المرجعية الآمنة عند النوازل والأزمات، تفزع إليهم الأمة لتوحيد الصفوف
وتجنب الفرقة.
الربانيون يقومون بالتصدي للنوازل والفتن ،ويبصرون الناس بكل المستجدات التي تحدث على الساحة ، فهناك أشياء كثيرة تحدث لا يفهما الناس ولا ييعرفون المراد منها، لأن العلماء الربانيين أبصر بالفتن وأسبابها وعلاجها وتحذير الناس منها وتثبيتهم أمامها وبيان الزيف لذلك قال تعالى}وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ(83){ [النساء]
ولذلك ترد الأمور إليهم لأنهم يعرفون المصلحة والمفسدة وأعلى المصلحتين وأدنى المفسدتين، وهكذا ...
من الذي يفهم أعلى المصلحتين وأدنى المفسدتين؟
إذا لم يوجد العلماء الربانيون أصحاب الفقه العظيم ،ستتخذ إجراءات خاطئة، وتحدث الكارثة ، لذلك سألت امرأةٌ شيخًا في مسألة فقال لها أفتيكِ بقول مالكٍ أم بقول رسول الله (ﷺ)؟
فقالت له : بل بقول مالك فهو أفقه مني ومنك بقول رسول الله (ﷺ).
صدقت المرأة وكذب المتشدقون بالأخذ من الكتاب والسنة مباشرة، فقد تلقى العلماء الكتاب والسنة كابرا عن كابر إلى رسول الله (ﷺ).
وصدق الإمام الشافعي رحمه الله حيث قال: من تفقه من بطون الكتب ضيع الأحكام.
وصدق القائل: لا تأخذوا العلم من كتبي ولا القرآن من مصحفي.
أي من أخذ من الكتب مباشرة ومن أخذ من المصحف مباشرة.
وأيضًا في أوقات النوازل، يلزم الربانيون جمع كلمة الأمة ، وتوحيد الصف المسلم، ولمّ الشمل، ونبذ التنازع، وهذا أصل عظيم، ينفذون أمر الله تعالى }وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا )[103){ ]آل عمران]
كيف فعل شيخ الإسلام ابن تيمية لما جاء التتر إلى الشام؟
كيف كان يلفُّ على الناس وعلى الأمراء وقادة الجيش والأجناد وعلى عامة الناس وعلى التجار، ويذهب من الشام إلى مصر ويخاطب هناك وجهاءها وأهلها ويقول لهم: إذا لم تدافعوا عن الشام ، فمن يدافع عنه؟
إن الشام إذا سقطت سيصلون إلى مصر، سيعبرون إليكم، اذهبوا إلى ملاقاتهم في
الشام تحمون مصر والشام، حتى هدى الله السلطان قلاوون إلى ذلك، فأتى بجيش مصر إلى الشام ودارت المعركة العظيمة وانتصر المسلمون، وكانت الشام تتبع المماليك في مصر ، فقال ابن تيمية للسلطان: }لو قُدّر انكم لستم حكام الشام ولا ملوكه واستنصركم أهله وجب عليكم النصر{ قال تعالى}وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ (72){ [الأنفال]
كما أمر الله فكيف وأنتم حكامه وسلاطينه خائفين من التتار؟
يجب عليكم أن تنصروا أهل الشام وهم رعاياكم وأنتم مسؤولون عنه وقوى
جأشهم "
يقول ابن كثير في البداية والنهاية هذا كلامه بالنص:
"وقوّى جأشهم فخرجوا إلى الشام وظل - رحمه الله - يجمع المسلمين ويحرض على الجهاد وصد الأعداء وقاتل بنفسه حتى نصر الله المسلمين على التتار" [البداية والنهاية].
وهذا الإمام العز بن عبد السلام كان له دوراً محورياً في حشد الأمة ومواجهة
خطر التتار.
برزت مواقفه في الفتوى الجريئة لدعم الجيش، وتأصيل الجهاد كفرض عين، ومساندة القيادة الحازمة لتوحيد صفوف المسلمين حتى تحقيق الانتصار التاريخي في معركة عين جالوت.
3ـ القدوة الحسنة :
إن واقع الناس اليوم يشكو القصور والانحراف رغم انتشار العلم، ما لم يقم بذلك العلم علماء وقادة عالمون مخلصون يصنعون من أنفسهم قدوات في مجتمعاتهم، يترجمون ذلك العلم إلى واقع عملي يفهمه الجميع، وهذا يُسهّل في إيصال المعاني الأخلاقية ويحدث التغيير المنشود إلى الأفضل.
إن أخطر ما نعانيه هو أزمة القدوات، وقل لي: من قدوتك أقل لك من أنت!!
إن غياب القدوة الصالحة من المجتمع عامل رئيسي في انتشار المنكرات واستفحالها وإفشاء الجهل بين الناس، ومن هنا تكمن أهمية القدوة الصالحة، فكلما ازدادت القدوات انتشر العلم والأخلاق، واختفت المنكرات، لذلك فنحن نحتاج إلى قدوات يدعون الناس بأفعالهم قبل بأقوالهم.
إنَّ موضوع القدوة من الموضوعات الهامة جدًّا في حياة البشرية، فالرموز الشخصية ، والمُثُل العليا جميعها مفاهيم يمكن أن تسهم في بناء الفرد أو تدميره، وتبدو تلك المفاهيم ذات أهمية وتأثير قوي، خاصة في المجتمعات التي لا تزال في طور النمو والتطور، وإنَّ اقتداءَ الْبشَرِ بعضِهِمْ ببعْضٍ فِطْرَةٌ جِبِلِّيَّةٌ، وَسُنَّةٌ آدَمِيَّةٌ، جَبَلَ اللهُ النفُوسَ عليهَا، فتَرَى النَّاسَ يُقَلِّدُ بعضُهُمْ بعْضًا، سَواءٌ كانَ هذَا التَّقلِيدُ في الخيرِ أوْ في الشَّرِّ.
والقدوة أو المثل الأعلى يمكن أن يكون مدمّرًا وخطرًا على الفرد والمجتمع إذا لم نتخذ قدة حسنة .
مشى الطاووس يوما باختيال، فقلد شكل مشيته بنوه
فقال علام تختالون؟
قالوا بدأت به ونحن مقلدوه!
أما تدري أبانا كل فرع يحاكي في الخطى من أدبوه!
فقوم سيرك المعوج واعدل فإنا إن عدلت معدلوه.
وينشأ ناشئ الفتيان منا على ما كان عوده أبوه.
فالقدوة الحسنة هي الركيزة في المجتمع، وهي عامل التحوُّل السريع الفعَّال،
فالقدوة عنصر مهم في كلِّ مجتمع، فمهما كان أفراده صالحين، فهم في أمَسِّ الحاجة للاقتداء بالنماذج الحيَّة ، كيف لا وقد أمرَ الله نبيَّه )ﷺ) في سورة الأنعام بعد أن ذكَر ثمانية عشر نبيًّا بالاقتداء بهم ، فقال تعالي: }أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (90){ [الأنعام].
ومن أجمل ما قرأت : دخل الأب منزله كعادته في ساعة متقدمة من الليل وإذ به يسمع بكاءً صادراً من غرفة ولده ، دخل عليه فزعاً متسائلاً عن سبب بكائه ، فرد الابن بصعوبة : لقد مات جارنا فلان ( جد صديقي أحمد ) ، فقال الأب
متعجباً :
ماذا ؟ مات فلان ! فليمت عجوز عاش دهراً وهو ليس في سنك ، وتبكي عليه!!
يا لك من ولد أحمق لقد أفزعتني، ظننت أن كارثة قد حلت بالبيت ، كل هذا البكاء لأجل ذاك العجوز ، ربما لو أني متُ لما بكيت عليَّ هكذا !
نظر الابن إلى أبيه بعيون دامعة كسيرة قائلاً : نعم لن أبكيك مثله ! هو من أخذ بيدي إلى الجمع والجماعة في صلاة الفجر ، هو من حذرني من رفاق السوء ودلني على رفقاء الصلاح والتقوى ، هو من شجعني على حفظ القرآن وترديد الأذكار .
أنت ماذا فعلت لي ؟ كنت لي أباً بالاسم ، كنت أباً لجسدي ، أما هو فقد كان أباً لروحي ، اليوم أبكيه وسأظل أبكيه لأنه هو الأب الحقيقي ، ونشج بالبكاء ..
عندئذ تنبه الأب من غفلته وتأثر بكلامه واقشعر جلده وكادت دموعه أن تسقط ..
فاحتضن ابنه ومنذ ذلك اليوم لم يترك أي صلاة في المسجد .
4ـ الربانيون أعلم الناس بأحوال المدعوين :
الربانيون يدعون إلى الله على بصيرة ،قال تعالى:}قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ (108){ [يوسف]، على حجة ودليل وبرهان.}قل إني على بينة من ربي(88){ ] هود[
من البصيرة العلم بأحوال المدعوين وظروفهم.
من البصيرة وصف الدواء بعد تشخيص الداء.
من البصيرة الاستعداد للقاء المدعوين، كما جاء في حديث سيدنا معاذ رضي الله عنه ،فعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال : { قال رسول الله (ﷺ) لمعاذ بن جبل - حين بعثه إلى اليمن - إنك ستأتي قوما أهل كتاب . فإذا جئتهم : فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله . فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم : أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة . فإن هم أطاعوا لك بذلك ، فأخبرهم : أن الله قد فرض عليهم صدقة ، تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم . فإن هم أطاعوا لك بذلك ، فإياك وكرائم أموالهم
. واتق دعوة المظلوم . فإنه ليس بينها وبين الله حجاب }] رواه البخاري[
فدعوة الكافر غير دعوة الفاسق، ودعوة المعاند غير دعوة الجاهل ودعوة المقبل غير دعوة المعرض، لما قال تعالى: }ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ (125){ [النحل]
5ـ الربانيون أصبر الناس على مخالطة الناس:
الربانيون لا ينعزلون عن الناس، بل يخالطونهم ويقتربون منهم ، ويعرفون مصائب الناس ومشاكلهم ، يشاركون الناس أفراحهم وأحزانهم ، فهم ليسوا بعيدين عن المجتمع ، كما قال النبي (ﷺ)}المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أعظم أجرًا من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم{ [رواه أحمد، وابن ماجه ، صححه الألباني في صحيح الجامع الصغير]
6ـ الربانيون قائمون على إعداد القدوات :
الربانيون مهمتهم إعداد القدوات التي تكمل المسيرة، وذلك منذ نعومة أظفارهم، كما ورد في حديث سيدنا ابن عباس رضي الله عنهما ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كنت خلف النبي (ﷺ) يوما فقال : }يا غلام إني أعلمك كلمات : احفظ الله يحفظك ، احفظ الله تجده تجاهك ، إذا سألت فاسأل الله ، وإذا استعنت فاستعن بالله ، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد
كتبه الله لك وإن اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك
، رفعت الأقلام وجفت الصحف{ ]رواه الترمذي، وقال : حديث حسن صحيح[
دعا النبي (ﷺ) لعبد الله بن عباس رضي الله عنهما فقال}اللهم علّمه الحكمة، اللهم فقّهه في الدين وعلّمه التأويل{ [رواه البخاري].
ببركة هذه الدعوات النبوية حاز ابن عباس درجات عليا في الفهم والعلم،
قال ابن مسعود تواضعاً: "لو أن ابن عباس أدرك أسنانًا - يعني لو كان من كبار الصحابة ما عشره منا أحد يعني ما بلغ عشره في العلم، لكن ابن عباس كان صغيرًا في عهد النبي (ﷺ)، لما مات قال محمد بن الحنفية: "اليوم مات رباني هذه الأمة"
كان ابن عباس صاحب مدرسة في التفسير وفي الفقه، ابن عباس ترك جبالاً في العلم؛ منهم (سعيد بن جبير، ومجاهد بن جبر المكي، وعطاء بن أبي رباح مفتي الحج ، وعكرمة تلميذه المشهور، وغيرهم كثير...)
ـ ومن الربانيين الكبار في الأمة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه حتى قال حذيفة: }ما أعرف احدًا أقرب سمتاً وهدياً ودلاً (يعني شكلاً بالنبي (ﷺ) من ابن أم عبد { [رواه البخاري].]يقصد الشكل الهيئة الأدب الوقار السمت [
هذا الذي زكاه النبي (ﷺ) بقوله : }من أحبّ أن يقرأ القرآن غضًّا كما أُنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد{ [رواه أحمد، وابن ماجه، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير].
ـ ومن الربانيين عبد الله بن عمر عالم رباني خلّف مجاهد بن جبر، وسالم بن عبد الله بن عمر ونافع مولى ابن عمر وسعيد بن جبير وعطاء وسليمان بن يسار ومحمد بن سيرين وزيد بن أسلم، تربية وتشجيع، مرة سئل عن مسألة في المواريث قال للسائل اسأل سعيد بن جبير فإنه يعلم منها ما أعلم ولكنه أعلم بالحساب مني.
وهذا سعيد من تلاميذ عبد الله بن عمر ومع ذلك يدل عليه من المتخصصين.
وهذا زيد بن ثابت عالم في الفرائض، قال النبي(ﷺ) }أفرضهم زيد{ [رواه الترمذي وابن ماجه ، وأحمد، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير]
لما مات زيد بن ثابت قال أبو هريرة اليوم: }مات رباني هذه الأمة ولعل الله
تعالى أن يجعل في ابن عباس مثله خلفاً{ [تهذيب التهذيب]،
ومن العلماء الربانيين في الأمة ، عبد الله بن المبارك شيخ الإسلام في زمانه جمع الفقه والحديث والعربية والشجاعة والسخاء، حتى قال عنه سفيان بن عيينة: }نظرت في أمر الصحابة وأمر عبد الله بن المبارك فما رأيت لهم عليه فضلاً إلا بصحبتهم للنبي (ﷺ){
العنصر الرابع : الوصول إلى الربانية:
لا تزال النفوس مطمئنة كل الاطمئنان إلى وعد رسول الله (ﷺ) الذي لا يتخلف وذلك في الحديث الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي (ﷺ) أنه قال: }إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها{ ]خرجه أبو داود في الملاحم والحاكم وصححه الألباني في السلسة الصحيحة].
والسعي إلى إيجاد العلماء الربانيين، هو سعي إلى تحقيق من يسد ثغرة في حياة الأمة؛ إذ العمل لدين الله عز وجل يفتقر إلى من يتمتعون بصنوف كثيرة من أمور الدين: كالعلم، والجهـــاد، ونشــر العدل، والدعــوة إلى الله عز وجل وغير ذلك.
كيف نحقق الربانية؟
لا تتحقق الربانية إلا بتحقيق العبودية لله رب العالمين، فهي المخرج للأمة اليوم
وقد سيطر السعار المادي على كثير من القلوب والعقول، وانتشرت مظاهر كثيرة تدل على اختلال الأخلاق والسلوك، وفشت أنواع القلق ، والحيرة والاكتئاب وغيرها من الأمراض النفسية ؛ إذ بتحقيق العبودية تزكو النفوس، وتطمئن القلوب ؛ ففي القلب فاقة لا يسدها إلا معرفة الله وفي القلب شعث لا يلمه إلا العبودية له تعالى.
ولكي نحقق العبودية الخالصة لله تعالى ، يجب علينا التالي:
1ـ الصلاح في الذات ويتحقق بثلاثة أركان :
ـ الإيمان وتحقيق معنى التوحيد لله تعالى.
ـ العبادة : عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله (ﷺ): إن الله تعالى قال :"من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب ، وما تقرّب إليّ عبدي بشيء أحبّ إليّ مما افترضته عليه ، وما يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أُحبّه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها ، وإن سألني لأعطينّه ، ولئن استعاذني لأعيذنه" ]رواه
البخاري [
ـ الإخلاص: فهو يرتقي بالعبد من درجة الضعيف العاجز إلى مرتبة القادر العامل ففي غزوة العسرة سجل القرآن هؤلاء الضعفاء الناصحين { لَّيۡسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلَا عَلَى ٱلۡمَرۡضَىٰ وَلَا عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِۦۚ مَا عَلَى ٱلۡمُحۡسِنِينَ مِن سَبِيلٖۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ (91) وَلَا عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوۡكَ لِتَحۡمِلَهُمۡ قُلۡتَ لَآ أَجِدُ مَآ أَحۡمِلُكُمۡ عَلَيۡهِ تَوَلَّواْ وَّأَعۡيُنُهُمۡ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمۡعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ (92) } [ التوبة] حقا لقد بكوا للتخفيف وبكينا للتكليف
قال عنهم رسول الله (ﷺ):"إن أقواما بالمدينة خلفنا ما سلكنا شعبا ولا واديا إلا
وهم معنا فيه حبسهم العذر "
"لا يزال العبد بخير ما إذا قال: قال لله، وإذا عمل: عمل لله"
عندما ألّف الإمام مالك كتابه العظيم "الموطأ"، قيل له إن هناك كتباً أخرى كثيرة تُنافسه، فرد بيقين قائلاً: «ما كان لله يبقى» سبحان الله اندثرت تلك الموطآت ولم
يبق إلا موطأ مالك.
ليس شيءٌ أحبّ إلى الله من خبيئة صالحة، يجعلها العبدُ بينه وبين ربّه!
لا تطّلعُ عليها الأعين لتمدحها، ولا تسمعها الأذن لتثني عليها، تفعلها وليس في نيتك إلا الله، واثقاً أنه لا يضيعُ شيء عنده!
مثل صدقةٌ دائمة لا ترصدها الكاميرات، وركعات في الليل وأهل بيتكَ يحسبونكَ
نائماً، أو ديونٌ تُسددها عن الغارمين في الدكاكين دون أن تعرفهم ويعرفوك،
كفالة يتيم لن يعرفَ من كفله إلا يوم القيامة!
شجرةً تزرعها للهِ يبقيها الله لكَ واقفة كالجبل، ويطرحُ لكَ فيها البركة، ويسوقُ إليها الناس سوقاً ليعطيكَ الأجر، وما كانت يوماً إلا نبتةً صغيرة، ولكن لأنها لله بقيت!
من كان يظنُّ أن يُباع رياض الصالحين في مكتبات باريس ولندن، ولكن الله اطلع على قلب الإمام النووي فارتضاه، فأحيا له كتابه!
وليس من فراغٍ أن تتعلق القلوب بمدارج السالكين، فمن قبل تعلق قلب ابن القيم بالله!
ولا غرابة أن يموت ابن الجوزي ويبقى كتابه صيد الخاطر، فمن كان للهِ كان اللهُ له!
كان الإمام أحمد يدعو: اللهم أمتني ولا يعرفني أحد من خلقكَ! وحين اطلع الله على قلبه، ورآه لا يريدُ الشهرة، أماته ولا يجهله أحد من الناس.
تذكر دائما "ما كان للهِ يبقى!"
2ـ حسن الخلق في العلاقات ويكون ذلك من خلال خمس خصال أساسية :
ـ الصدق.
ـ الصبر.
ـ الرحمة :عاطفة حية نابضة بالحب للناس والرأفة بهم والشفقة عليهم.
ـ التواضع.
ـ الرفق.
3ـ معايشة الأسماء والصفات:
التعرف على أسماء الله الحسنى وصفاته هو الطريق إلى تحقيق العبودية، ولهذا
دعا الله عباده في القرآن بقوله تعالى: {وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا(180)} [الأعراف].
"فهو سبحانه وتعالى مستحق للتوحيد، الذي هو دعاؤه وإخلاص الدين له:
دعاء العبادة يكون بالمحبة والإنابة، والطاعة والإجلال، والخشية والرجاء ونحو ذلك من معاني تألهه وعبادته.
ودعاء المسألة والاستعانة يكون بالتوكل عليه، والالتجاء إليه، والسؤال له، ونحو ذلك مما يفعل سبحانه بمقتضى ربوبيته".
فلفظ الدعاء الذي اقترن الأمر به بأسماء الله الحسنى يعني التعبد بها من بعد
معرفتها كما قال (ﷺ) عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما أن رسول الله (ﷺ) : }الدعاء هو العبادة{.] أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجة[
وحقيقة الدعاء: "إظهار الافتقار إليه، والتبرؤ من الحول والقوة، وهو سمة العبودية، واستشعار الذلة البشرية، وفيه معنى الثناء على الله عز وجل وإضافة الجود والكرم إليه ،والإقرار بجميع أسمائه الحسنى وصفاته العلا".
ـ وعلينا أن ندرك تماما أن أثر المعرفة في تحقيق العبودية يكون بحسب قوة المعرفة وضعفها، فكلما كانت المعرفة بالله وأسمائه وصفاته قوية مفصلة مستحضرة كانت العبودية بها أتم، وكلما كانت ناقصة وضعيفة أو اعترتها غفلة كان صاحبها أبعد عن سمة العبودية.
ـ وأيضا يجب أن نعلم يقينا أن الجهل بالله سبحانه وتعالى والإلحاد في أسمائه وصفاته أصل الكفر والشرك والتعطيل، كما أن الغفلة عن المعرفة بهذا الباب العظيم سبب رئيسي في ضعف محبة الله، والخوف ورجائه في قلوب العباد، ومن ثم بعدهم عن سمت العبودية ،وما يتبع هذا من مظاهر السلوك غير السوي ،فالإيمان بالله وعبادته ومحبته وإجلاله هو غذاء الإنسان وقوته وصلاحه وقوامه.
وإذا ما عاش الإنسان بالركائز الأساسية للعبودية وهي : الحب والخوف والرجاء ، استحق أن يرفعه الله تعالى إلى أعلى درجات العبودية؛ درجة المحسنين
السابقين بالخيرات.
4ـ المعايشة الحقيقية لليوم الآخر:
هي انتقال هذا الإيمان من مجرد تصديق ذهني مجرد إلى واقع حي يستشعره القلب، ليصبح الموجه الأساسي للسلوك، والرقيب الخفي على الأعمال، والملجأ الذي يمنح الإنسان الطمأنينة والتوازن في حياته اليومية.
لتحقيق هذه المعايشة العملية في حياتك، تتضمن الخطوات التالية:
ـ استحضار الرقابة الذاتية: استشعر أن كل عمل أو كلمة أو حتى خاطر عابر، خاضع لميزان الله جل وعلا الذي لا يغفل صغيرة ولا كبيرة، كما في قوله تعالى:
}فَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٍ خَيۡرٗا يَرَهُۥ (7) وَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٖ شَرّٗا يَرَهُۥ (8){
[الزلزلة].
ـ التجرد من التعلق المفرط بالدنيا: عش في هذه الدنيا كغريب أو عابر سبيل، واجعل الآخرة هي غاية الغايات ومحور الاهتمام الأكبر، فالدنيا مزرعة للآخرة.
ـ الصبر على الابتلاء وأذى الناس: الإيمان باليوم الآخر يمنحك القناعة بأن
الحقوق ستُرد، وأن كل مظلوم سيجد عدل الله، مما يزرع في القلب السكينة والرضا.
5ـ المعايشة الحقيقية للإيمان بالقضاء والقدر:
تعني الانتقال من مجرد التصديق النظري إلى السكون النفسي والعملي، والموازنة بين السعي الحثيث والأخذ بالأسباب، مع التسليم التام والرضا بما يقدره الله.
وتتجلى هذه المعايشة وتتحقق في حياتك اليومية من خلال عدة أبعاد أساسية:
أـ الأخذ بالأسباب (التوكل لا التواكل):
الإيمان الحقيقي لا يعني التواكل والقعود انتظاراً للرزق، بل هو الانطلاق في الحياة والسعي الدؤوب مع يقينك أن النتائج بيد الله.
ابذل أقصى جهدك في عملك أو دراستك.
خذ بجميع الأسباب المتاحة وكأنها كل شيء، ثم توكل على الله وكأن الأسباب لا شيء.
ب ـ الرضا والتسليم:
أن توقن أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك ،وهذا اليقين يثمر عن:
راحة البال: التحرر من القلق المستقبلي ومن حسرات الماضي.
الطمأنينة في البلاء: استقبال المصائب والمكاره بالصبر والاحتساب، وإدراك أن
اختيار الله لك خير من اختيارك لنفسك.
ج ـ الشكر عند العطاء:
عندما تنجح في أمر ما أو تنال نعمة، فإن إيمانك بالقدر يجعلك تدرك أنها من فضل الله وتوفيقه، مما يورثك التواضع والشكر، ويبعد عنك الكبر والعجب بالنفس.
د ـ حسن الظن بالله:
المؤمن يرى في كل أقدار الله حكمة ورحمة، حتى وإن بدت في ظاهرها ابتلاءً
أو شراً ، فالله سبحانه وتعالى لا يقدر للمؤمن إلا ما هو في صالحه.
6ـ الضوابط المالية والأخلاقية.
هي المبادئ السلوكية التي تحكم سلوك المتعاملين بالمال سواء في بيئة الأعمال المعاصرة أو في المعاملات المالية الإسلامية ،ومن هذه الضوابط :
ـ الصدق والشفافية: الالتزام بالوضوح التام في الصفقات، ومنع الكتمان، وتوفير
كافة المعلومات الصحيحة للمتعاقدين.
ـ حظر الغش والخداع: تحريم التدليس، والتغرير، والتحايل، والتلاعب بالأسعار (مثل بيع النجش).
ـ منع الربا والاستغلال: تحريم الربا بجميع أشكاله واعتباره ظلماً واستغلالاً لحاجة المدين، وتجنب الاحتكار والغبن الفاحش.
ـ العدالة والمساءلة: التزام المهنيين الماليين بالمسؤولية التامة، وتكافؤ الفرص، وتجنب أي ممارسات تضر بالسوق العام.
7ـ تعلم العلم ومدارسته للغير :
قال تعالى:} ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الناس وبما كنتم تدرسون (79){ ] آل عمران[
تعلم العلم ومدارسته للغير من أعظم العبادات وأجلّ القربات في الإسلام، فهو حياة للقلوب، وأساس لرفع الجهل، وطريق موصل إلى الجنة.
وقد حثّت النصوص الشرعية على تحصيله ونشره احتساباً للأجر، كما ورد عن معاذ بن جبل رضي الله عنه : "تعلَّموا العلمَ، فإنَّ تعلمَهُ للهِ خشيةٌ، وطلبَه عبادةٌ، ومذاكرتَه تسبيحٌ...
وتتبلور أهمية تعلم العلم ومدارسته وتأثيره في المجتمع في الجوانب الآتية:
ـ أجر الصدقة الجارية: تعليم العلم لمن لا يعلمه يُعد من الصدقات الجارية التي لا ينقطع أجرها، ويشمل ذلك العلوم الشرعية والدنيوية النافعة.
ـ رسوخ المعرفة: مذاكرة العلم ومراجعته مع الآخرين تمنع النسيان وتثبت المعلومات في الذهن بشكل أفضل من القراءة الفردية.
ـ الإخلاص في النية: يجب أن يُبتغى بتعلم العلم وجه الله تعالى، والتحذير من طلبه للرياء أو المباهاة أو الترفع على الآخرين.
ـ ارتباط العلم بالعمل: العلم الحقيقي هو ما يتبعه عمل، فالعلم والعمل قرينان لا ينفع أحدهما إلا بصاحبه.
العنصر الخامس: أثر الربانية في حياة الأمـة :
الربانية هي التزام المنهج الإلهي علماً وعملاً ، فإذا انصبغ المجتمع بالصبغة
الربانية اكتسب هذه الآثار:
1ـ إشاعة العدالة والمساواة:
الربانية تُرسخ مبادئ الحق وتمنع الظلم، وتنشر في المجتمع القيم الأساسية لضمان حصول كل فرد على حقوقه كاملة ويتضمن ذلك تكافؤ الفرص، وتوزيع الحقوق والواجبات بعدل، وتطبيق القوانين بصرامة دون تمييز أو محاباة لأن الأفراد الربانيين يلتزمون بأوامر الله في العدل مع الجميع بغض النظر عن أي اعتبارات مادية.
قال تعالى } يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلۡقِسۡطِۖ وَلَا يَجۡرِمَنَّكُمۡ شَنَـَٔانُ قَوۡمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعۡدِلُواْۚ ٱعۡدِلُواْ هُوَ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ (8){ ] المائدة[
وخير شاهد على ذلك قضية المرأة المخزومية: عندما سرقت امرأة شريفة من بني مخزوم، حاول بعض الصحابة (كأسامة بن زيد) الشفاعة لها لدرء الحد عنها. فغضب النبي (ﷺ) وقال كلمته الشهيرة: "يا أيها الناس، إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها" ]رواه البخاري و مسلم[ .
حتى وصل العدل مع المخالفين: حين صالح أهل خيبر على أخذ جزء من ثمارهم، كان الصحابي "عبد الله بن رواحة" يُقسّم الثمار ويُعدل بينهم. فظن اليهود أنه يحابيهم، فقال لهم: "والله لقد جئتكم من عند أحب الخلق إليّ، ولأنتم أبغض إليّ من القردة والخنازير، ولكن لا يحملني بغضي لكم وحبي إياه على أن
لا أعدل".
فالربانية فرضت المساواة في الحقوق والواجبات ، لقد وضع سيدنا عمر بن
الخطاب رضي الله عنه نظاماً دقيقاً لديوان العطاء، حيث كان يوزّع بيت المال
على الناس بالعدل والمساواة بناءً على الحاجة والسبق في الإسلام، دون تمييز لقرابة أو نسب.
لدرجة أن يتساوى الجميع أمام القضاء دون نظر إلى نسب أو جاه ، الحلال حلال للجميع، والحرام حرام على الجميع ، عندما فقد الخليفة علي بن أبي طالب رضي الله عنه درعَه، وجدها مع رجل يهودي، فاحتكما إلى القاضي "شريح". طلب القاضي من علي البينة، فلم تكن كافية، فحكم القاضي بالدرع لليهودي. ولما رأى اليهودي قمة العدل ونزاهة القضاء، أسلم طواعيةً.
وهذا المبدأ رسخه النبي (ﷺ) في خطبة الوداع يوم الحج الأكبر : }أيها الناس : إنَّ ربَّكم واحدٌ وأباكم واحدٌ ولا فَضْلَ لعربيٍّ على أعجميٍّ ولا لعَجَميٍّ على عربيٍّ ولا أحمرَ على أسودَ ولا أسودَ على أحمرَ إلَّا بالتَّقوى{ ] أخرجه أبو نعيم والبيهقي [
2ـ البناء القيمي والأخلاقي:
تضبط سلوكيات الأفراد بالوازع الديني الداخلي، مما يقلل من معدلات الجريمة والانحراف، تربط الربانية الإنسان بغايته السامية ، مما يحرره من الأنانية المفرطة والجشع، ويوجه طاقاته نحو البناء والعمل الصالح، فمن خلال الفهم الصحيح للسنن الإلهية في الكون، تندفع المجتمعات نحو العلم، والعمل، وتسخير الطاقات لتطوير الحياة والرقي بها.
ويسود في المجتمع الرباني قيم التراحم، الصدق، الأمانة، والإيثار ،وإتقان العمل، وهي الركائز الأساسية لتماسك البناء الداخلي للأمة.
ويتحقق الأمن النفسي والسلم الاجتماعي ،فعندما يعلم الأفراد أنهم مراقبون من الله تعالى، ينتشر السلام الداخلي، وتقل معدلات الجريمة والفساد.
يكون حاله كما صوره النبي (ﷺ) كالجسد الواحد، فعن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: قال رسول الله (ﷺ): }مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى {[أخرجه البخاري ومسلم].
فالقيم جزء من العقيدة الإسلامية، المؤسسة على التوحيد (لا إله إلا الله).
ومكانة القيم والأخلاق في الإسلام تجسدها آيات القيم والأخلاق في كل سور
وصفحات القرآن الكريم وفي مقدمتها قوله تعالى }وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ(4){ ]القلم[، وقوله (ﷺ) }إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق{.
- وللقيم أدوار وظيفية مهمة في تزكية المسلم وبناء قدراته الذهنية والنفسية والمعرفية والاجتماعية والروحانية وبناء شخصيته وهويته الإسلامية.
والقيم تمثل المعايير الأخلاقية التي يجب أن يلتزم بها الفرد والأسرة والمجتمع والدولة والأمة.
ومن القيم : القيم المجتمعية ، مثل قيمة التكافل الاجتماعي:
تدفع الربانية الإنسان للشعور بآلام الآخرين واحتياجاتهم، مما يُنشئ مجتمعاً
متراحماً يحرص فيه القوي على الضعيف، ويتحقق التكافل والمسؤولية المجتمعية، حيث تغرس الربانية في نفس المسلم شعوراً عميقاً بالمسؤولية تجاه الآخرين، مما يشجع على الإنفاق والعمل الخيري ومساعدة المحتاجين وإصلاح ذات البين.
فالقيم والأخلاق الإسلامية مصدرها القرآن الكريم، وتطبيقها العملي في السنة
المطهرة لخير وأعظم نبي قال تعالى }لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن
كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا(21){ ]الأحزاب[
إنَّ إحياء القيم الأخلاقية الإسلامية هو السبيل الأمثل لبناء مجتمعات متقدمة تُحقِّق
السعادة والرفاهية لأفرادها، وتُسهم في نهضة الأمم وتقدمها، فهي ليست مجرد مبادئ نظرية؛ بل هي منهج حياة يُسهِم في بناء الإنسان والمجتمع.
3ـ الاستقرار والسلام النفسي:
ترتبط الربانية بالإيمان العميق والتوكل على الله، مما يبث السكينة في النفوس ويحمي المجتمع من الاضطرابات النفسية والقلق.
فغياب الربانية عن الناس تؤدي إلى اليأس والقنوط ، مما يدفع الإنسان إلى التهرب من حياته عن طريق الانتحار كما نرى ونسمع كل يوم عن حالات انتحار كثيرة كل هذا بسبب غياب الربانية، كتب أحد الكتاب مقالا بعنوان أهل الجنة ليسوا سعداء، وأهل الجنة الذين نعنيهم هم سكان السويد الذين يعيشون
في مستوى اقتصادي يشبه الأحلام.. ولا يكاد يوجد في حياتهم خوف من فقر او شيخوخة أو بطالة ، أو أي كارثة من كوارث الحياة ، فالدولة تضمن لكل فرد يصيبه شيء من ذلك إعانات دورية ضخمة ، بحيث لا يجد أي مواطن مجالا للشكوى من العوز أو الحاجة الاقتصادية بأي حال من الأحوال ، ووصل نظام الحكم الاشتراكي في السويد إلى أن قام بمحو الفروق بين الطبقات وذلك بفرض الضرائب التصاعدية وإيجاد مختلف أنواع التأمينات الصحية والاجتماعية ولا توجدها دول أخري ، فكل مواطن سويدي يستحق: معاشا ، وإعانة مرض ،
ومعاش عدم صلاحية، وإعانة غلاء المعيشة، وإعانة للسكن ، وإعانة للعمى
كل ذلك يصرف نقدا بالإضافة، إلي كون العلاج مجانيا ، كما تدفع إعانة أمومة لكل النساء.
إن ثلث الضرائب التي يدفعها الشعب السويدي تنفقها الدولة في التأمينات الاجتماعية ،وتدفع الدولة٨٠٪ منها مساعدات نقدية، إن أضخم ميزانية هي ميزانية وزارة الشئون الاجتماعية ، ولكن مع كل هذه الضمانات التي لم تدع
ثغرة إلا سدتها ، فهم يعيشون حياة مضطربة قلقة كلها ضيق وتوتر وشكوي
وسخط ويأس ، ونتيجة هذا يهرب الناس من هذه الحياة الشقية النكدة عن طريق
( الانتحار) الذي يلجا اليه الآلاف من الناس تخلصا مما يعانونه من عذاب نفسي أليم الا ان السر واراء هذا الشقاء يرجع الي امر وحد هو( فقدان الايمان) فكثرة المال ليست هي السعادة ولا حتي العنصر الأول في تحقيقها ، بل إن كثرة المال تكون أحيانا وبالا علي صاحبها في الدنيا قبل الاخرة.
4ـ الإصلاح الشامل والدعوة البناءة:
الربانيون هم حملة العلم والدعاة إلى الخير والفضيلة، وحراس الشريعة الذين يرجع إليهم المجتمع في حل المشكلات.
الربانيون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر هم سبب نجاة المجتمع من الهلاك الذي ربما أصابه بسبب الذنوب الحاصلة، وتجاوز حدود الله سبحانه وتعالى بالمعاصي من ارتكاب المحرمات، والإعراض عن الواجبات، وقد ضرب رسول الله (ﷺ) في ذلك مثلاً بديعاً حين قال ، فعن النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ قَالَ: }مَثَلُ القَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللهِ وَالوَاقِعِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلاَهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ المَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا، وَنَجَوْا جَمِيعًا { ]رواه البخاري[.
والقائم على حدود الله هو المطيع لله، الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، وأما الواقع فيها ، فهو العاصي الذي لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر، وفعله هو سبب هلاك المجتمع، كما أن من خرق السفينة كان سبباً في هلاك كل من كان في السفينة، ولكن إذا وجد في السفينة من يأخذ على يديه ويمنعه من فعله الأحمق كان سبباً في نجاته ونجاة كل من في السفينة، وكذلك إذا وجد في المجتمع من يأخذ على أيدي العصاة فيأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر يكون سبباً في نجاة هذه المجتمع من الهلاك العام الذي يشمل الصالح والطالح، كما يقول الله سبحانه وتعالى: }وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (25){ [الأنفال]
وكما في صحيح البخاري من حديث زينب بنت جحش رضي الله عنها أن النبي
(ﷺ) دخل عليها فزعا يقول: }لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح
اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه، وحلق بإصبعه الإبهام والتي تليها، قالت
زينب بنت جحش: فقلت يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث{.
ولا يكثر الخبث في مجتمع من المجتمعات إلا إذا قل فيه الربانيون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر.
ولقد أشار الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه إلى طائفة فيما مضى من الزمان كان سبب نجاتها هو النهي عن الفساد في الأرض حين قال سبحانه } فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ (116) وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ(117) { [هود].
يقول ابن كثير (رحمه الله تعالى) في تفسيرها: فهلا وجد من القرون الماضية بقايا من أهل الخير ينهون عما كان يقع بينهم من الشرور والمنكرات والفساد في الأرض، وقوله: ﴿ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ أي قد وجد منهم من هذا الضرب قليل لم يكونوا كثيراً وهم الذين أنجاهم الله عند حلول غضبه وفجأة نقمته، ولهذا أمر الله تعالى هذه الأمة الشريفة أن يكون فيها من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.
ومما يدل على نجاة الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر إذا أراد الله إهلاك الظالمين ما قصه الله سبحانه وتعالى علينا في محكم كتابه عن بني إسرائيل حين قال}وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ) 163) وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ(164){ [الأعراف].
يبين الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات حال ثلاثة أصناف من بني إسرائيل، حينما نهاهم الله سبحانه وتعالى عن الاصطياد في يوم السبت، فصنف أهملوا النهي وتحايلوا في الاصطياد في هذا اليوم، ووقعوا فيما حرم الله سبحانه وتعالى عليهم، وصنف آخر لم يرتكبوا ما حرم الله عليهم فاعتزلوا ولم يأمروا ولم ينهوا، بل قالوا للمنكرين } لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا (164){ [الأعراف].
أما الصنف الثالث فهم مع اجتنابهم المحرم وامتثال أمر الله سبحانه وتعالى فيه، لم
يسكتوا على فعل الصنف الأول بل بادروا بالإنكار عليهم ونهيهم عن ارتكاب المحرم محتجين بقولهم} مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (164){[الأعراف].
فماذا كان جزاء كل صنف من هذه الأصناف؟
قال تعالى } فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ(165){ الأعراف]
أنجى الله سبحانه وتعالى الذين ينهون عن السوء وهم الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، وأهلك الله الذين ظلموا وهم الذي وقعوا في الحرام.
وأما الذين سكتوا فقد سكت الله سبحانه وتعالى عنهم ولم يبين حالهم، وقد اختلف المفسرون في مآلهم. والشاهد أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب للنجاة
إذا نزل العذاب على قوم.
5ـ نيل وسام الخيرية على الأمم:
لقد جعل الله سبحانه وتعالى هذه الأمة، خير أمة أخرجت للناس، وذلك لما توفرت فيهم أسباب الخيرية ، وهي إقامة القطب الأعظم لهذا الدين وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، كما في قوله سبحانه وتعالى:} كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ (110){ [آل عمران]
ومما يؤكد أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب للخيرية ما رواه الإمام أحمد عن درة بنت أبي لهب قالت: قام رجل إلى النبي (ﷺ) وهو على المنبر، فقال: يا رسول الله أي الناس خير؟ قال }خير الناس أقرؤهم وأتقاهم لله، وآمرهم
بالمعروف، وأنهاهم عن المنكر، وأوصلهم للرحم{ }رواه أحمد في مسنده{ .
ولا شك أن أمة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتسعى للناس بالخير، بدعوتهم إليه، وتبعد الناس عن الشر بتحذيرهم منه، هي أنفع أمة للناس.
وكما أن هذا الفضل لهذه الأمة على سائر الأمم، فهو أيضاً فضل يتفاضل به أفراد هذه الأمة بعضهم على بعض، فمن قام منهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهو أفضل من غيره، وهو خيرالناس للناس، ومن كان منهم أكثر بذلاً في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأكثر تضحية فلاشك أنه أفضل ممن هو
دونه.
وفي المقابل فإن من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقد زهد في هذه الخيرية، وتنصل من أخص وصف لهذه الأمة، وتشبه بأهل الكتاب الذين ذمهم
الله سبحانه وتعالى لتركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
6ـ تحقيق الفلاح لهذه الأمــة في الدنيا والآخرة :
الأمة الربانية يكتب لها الفلاح الدائم في الدنيا والآخرة ، قال تعالى }وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104){ [آل عمران].
والفلاح مكسب عظيم للإنسان فهو الفوز بالمطلوب، والنجاة من المرهوب، فلاح في الدنيا، وفلاح في الآخرة، فلاح في الدنيا بالحياة الطيبة، بما فيها من سعة الرزق، وصحة البدن، وأمن في الوطن، وصلاح في الأهل والولد، وغير ذلك الكثير من جوانب الحياة الطيبة.
وفوق ذلك كله الفلاح بالآخرة بالفوز بجنة عرضها السماوات والأرض، ورضوان من الله، ولذة النظر إلى وجهه الكريم، ومع ذلك النجاة من العذاب الأليم
فياله من فضل عظيم يحصل للأمة الربانية ، لو حققت الفريضة العظيمة وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
7ـ صبغ المجتمع بصبغة الإيمان :
الربانية تكون سببا في صبغ المجتمع بصبغة الإيمان ، وهذه بعض صفات المؤمنين كما قال تعالى }وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ
اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(71){ [التوبة] .
وقد ورد وصف المجتمع الرباني بأوصاف عديدة منها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في آيات أخر، منها قوله تعالى} التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (112){ [التوبة].
وقوله سبحانه وتعالى } الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ(41){[الحج].
ولو تأملنا هذه الصفات الواردة للمؤمنين في الآيات المذكورة لوجدنا أن الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر اقترن بأعظم الأعمال وأجلها، اقترن بالإيمان بالله،
وبالصلاة والزكاة ونحوها.
فمن ذا الذي يرضى لنفسه أن ينسلخ من صفات المؤمنين الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر؟!
8ـ العصمة من الانحراف الفكري:
العلماء الربانيون هم صمام الأمان في حماية الأمة من الانحرافات الفكرية والأخلاقية، فهم ورثة الأنبياء الذين يحملون مشاعل الهداية، ويحرسون الدين من تبديل الجاهلين وتأويل المبطلين.
ويقفون سداً منيعاً أمام الأفكار الوافدة والبدع، ويرسخون مفاهيم الإسلام الصافية
والوسطية المعتدلة لحماية الشباب من الانحرافات العقدية.
ويتصدون للتيارات الفكرية المضللة والشبهات التي تشكك في ثوابت الدين،
ويفندون حججها بالأدلة العلمية والبراهين القاطعة.
ويمتلكون بصيرة نافذة تمكنهم من توجيه المجتمع نحو الحلول الشرعية لمشكلاته، والتحذير من الوقوع في فخ التطرف أو التفريط.
ويعملون على ربط الأمة بخالقها، وغرس التقوى والخوف من الله تعالى، وهو الضمير الداخلي الذي يحفظ الأفراد من الانزلاق في الرذائل والمحرمات.
فهذا الإمام العملاق الذي تصدى لأخطر محنة حدث في تاريخ الأمة ،كادت أن تفتك بعقيدة الأمة وهو الإمام أحمد بن حنبل في محنة خلق القرآن في زمن العباسيين ، حيث وقف ثابتاً على عقيدة أن القرآن كلام الله غير مخلوق، رافضاً الخضوع لضغوط خلفاء بني العباس (المأمون، المعتصم، والواثق) الذين تبنوا رأي المعتزلة ، وتحمل في سبيل ذلك السجن والتعذيب والضرب المبرح لأشهر طويلة.
اعتبر الإمام أحمد أن القول بخلق القرآن بدعة وضلال؛ لأن القرآن صفة من صفات الله، وصفات الله قديمة غير مخلوقة.
وكان يرى أن من قال بخلق القرآن فقد كفر (كما نُقل عنه تكفير من قال بخلق القرآن من المبتدعة).
وصمد الإمام تحت التعذيب في عهد الخليفة المعتصم، حيث عُقدت للإمام مناظرات وأُمر بجلده ، فكان يُجلد بالسياط حتى يُغمى عليه ويتساقط لحمه، ومع ذلك كان يكرر جملته الشهيرة: "القرآن كلام الله غير مخلوق".
لم يأخذ الإمام بالرخصة كما أخذ بها بعض العلماء والمحدثين الكبار الذين أجابوا الخليفة بالقول بخلق القرآن "تقيةً" و"تأويلاً" لدفع الأذى عن أنفسهم، لكن الإمام أحمد فضّل الأخذ بـ العزيمة والتضحية بنفسه لكي لا يُفتن الناس في دينهم ويقتدوا بفتوى باطلة.
حيث استمر الإمام صابراً في سجنه ومحنته حتى تولى الخليفة "المتوكل" الخلافة في سنة (232هـ) ، فأبطل القول بخلق القرآن، وأكرم الإمام أحمد، ورفع عنه البلاء، لتنتهي بذلك المحنة التي استمرت نحو (15) عاماً.
وهذا قمة الجهاد وهو جهاد أهل الزيغ والضلال ،فعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضِيَ الله عنه- أَنَّ رَسُولَ اللهِ (ﷺ) قَالَ:}مَا مِنْ نَبِىٍّ بَعَثَهُ اللهُ فِى أُمَّةٍ قَبْلِى إِلاَّ كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابٌ يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ وَيَفْعَلُونَ مَا لاَ يُؤْمَرُونَ فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ{ ] أخرجه مسلم[
9ـ الربانية حماية للأمة من التناقض والاختلاف والتحيز للأهواء:
البشر بطبيعتهم يتناقضون ويختلفون من عصر إلى عصر، بل في العصر الواحد من زمن إلى آخر، ومن قطر إلى قطر، بل في القطر الواحد من إقليم إلى آخر، وفي الاقليم الواحد من بيئة إلى أخرى، وفي الأمة الواحدة من شعب إلى آخر، وفي الشعب الواحد من فئة إلى أخرى، وفي الفئة الواحدة من فرد إلى آخر، بل في الفرد الواحد من حالة إلى أخرى، ومن وقت إلى آخر.
فكثيراً ما رأينا تفكير الفرد في مرحلة الشباب يناقض تفكيره في مرحلة الكهولة، أو الشيخوخة وكثيراً ما وجدنا آراءه ساعة الشدة والفقر، تخالف آراءه في ساعة الرخاء والغنى.
فإذا كانت هذه هي طبيعة العقل البشري، وضرورة تأثره بالزمان والمكان والأوضاع والأحوال، فكيف نتصور براءته من التناقض والاختلاف فيما يضعه من مناهج للحياة، سواء أكانت مناهج للتصور والاعتقاد، أم للعمل والسلوك؟
إن الاختلاف والتناقض لازمة من لوازمه لا ريب، وصدق الله العظيم إذ يشير إلى ذلك فيقول:}أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا(82){ ]النساء [.
ومن مظاهر هذا التناقض ما نراه ونلمسه في كل الأنظمة البشرية والدينية الوضعية والمحرفة، من إفراط أو تفريط، ولا يخلو بشر غير معصوم، مهما ارتقى في العلم والتقى من التأثر بالأهواء والميول والنزعات الشخصية والأسرية والإقليمية والحزبية والقومية، وإن كان في ظاهر أمره يرغب في الإنصاف،
ويحرص على الحياد.
فالاختلاف والتناقض يفرق الأمة ويقطعها شيعا وأحزابا مما يؤدي إلى تفرقها وضعفها ، لذلك كان دور العلماء الربانيين في حفظ الأمة من الاختلاف والتناقض الذي يؤدي إلى الفرقة والنزاع ، قيل لأحد العلماء الربانيين رحمة الله عليه، أدرك المصلين في المسجد يوشك أن يتقاتلوا.
قال: علامَ؟
قيل: بعضهم يريد أن يصلي التراويح ثماني ركعات، والبعض الآخر يريد أن يصليها عشرين ركعة.
قال: ثم ماذا؟
قالوا: هم في انتظار فتواك، فقال الشيخ إجابة عن السؤال:
الفتوى أن يغلق المسجد فلا تصلى فيه تراويح لأنها لا تعدو أن تكون نافلة ووحدة المسلمين فريضة مؤكدة ولا قامت نافلة تهدم الفريضة.
فهذا هو الفهم الحقيقي للإسلام الذي يحافظ على كيان الأمة ، لا يقيم معارك فرعية ولا يسمح لها أن تقوم على حساب ثوابت الدين العظيم.
10ـ حصول البركة الشاملة :
إذا تمثل المجتمع معاني الربانية وحققها في نفسه على كافة المستويات ،استحق
أن يحصد البركة في كل شيء:
بركة في الفكر، وبركة في المال، وبركة في الأهل، وبركة في العافية، وبركة في الإنتاج، وبركة في الولد، وبركة في العمر والعمل.
وفي التاريخ فكرة ومنهاج، فكم من أناس عاشوا أعمارا طويلة ثم طواهم الموت، فلا تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا، وكم من علماء ودعاة ومصلحين عاشوا أعمارا قصيرة لكن آثارهم وإشعاعاتهم وتأثيراتهم فيمن بعدهم لا تقاس بالفترة القصيرة التي عاشوها.
ـ انظر إلى سيد الخلق وحبيب الحق سيدنا رسول الله (ﷺ) الذي عاش ثلاثا وعشرين سنة هي عمر الدعوة في مكة والمدينة، وهذان العقدان من الزمان غيرا وجه الأرض، وحولا مجرى العالم، وتشكل فيهما تاريخ جديد في المنطقة والعالم كله، لا تزال أصداؤه تتردد حتى الآن، وتنبني عليها سياسات وتتأسس عليها مواقف وأحداث شرقا وغربا.
ـ انظر إلى أبي بكر وعمر ومن بعدهما، كم أنجزا من الإنجازات، وكم تركا من خير وهدى، وكم حققا للإسلام من انتصارات وانتشار.
ـ انظر إلى سيدنا سعد بن معاذ رضي الله عنه أسلم وعمره ثلاثين عاما وتوفي وعمره ست وثلاثين عاما وعند موته اهتز لموته عرش الرحمن .
ـ انْظر إلى الإمام الشافعي (150 – 204هـ) أربعة وخمسون عاما هجريا، وأسس مذهبا كاملا لا يزال كثير من الناس يتعبدون الله عليه حتى الآن، وكتب كتابات في أصول الفقه وأصول الحديث والفقه لا يزال المتخصصون في هذه المجالات عالة عليه، ولا توجد بداية قوية لعلم من العلوم مثلما كانت بداية الشافعي في أصول الفقه وأصول الحديث.
ـ انظر إلى سيبويه الذي عاش اثنين وثلاثين عاما، وترك لنا "الكتاب" الذي يعتبر
من المراجع الرئيسة في علوم العربية حتى الآن.
ـ انْظر إلى الإمام النووي، الذي عاش نيفا وأربعين عاما، وترك لنا تراثا تربويا وفقهيا يمكن أن يكون مشروعا لتكوين العلماء والمربين والفقهاء، ابتداء بالأربعين النووية ، مرورا بالأذكار، ورياض الصالحين، وشرح صحيح مسلم، والمنهاج، والروضة، والتقريب والتيسير، وانتهاء بالمجموع؛ تلك المدونة الكبرى في الفقه الشافعي والفقه المقارن.
ـ وانظر إلى عبد الحميد بن باديس الذي عاش واحدا وخمسين عاما، فقاوم
الاستعمار، وقاد حركة الجهاد، وأسس جمعية للعلماء جددت واجتهدت
وتطورت ، ولا تزال إلى الآن، وترك آثارا لا يزال المسلمون ينتفعون بها حتى اليوم.
العنصر السادس: أثر غياب الربانيين على الأمـــة :
1ـ ظهور الذنوب والمعاصي وانتشار الأفكار الهدامة ، وجميع أنواع المنكرات:
إن غياب الربانيين عن الأمة يؤدي إلى السكوت عن قول كلمة الحق أو التخلي عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، مما يُجَرِّئُ أهل الباطل على نشر باطلهم، ويشجع أهل الفجور على التمادي في فجورهم، ولذلك "فإن الساكت عن الحق شيطان أخرس"، فهو بسكوته يعين على نشر المنكرات والمعاصي، بل ويشاركهم في وزرهم إن كان قادراً على التغيير ولم يقم بذلك، وما ظهرت هذه الذنوب والمعاصي في أي أمة إلا بسبب سكوت أهل الحق وتخليهم عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وتعدُّ التيّارات الفكريّة القادمة من الأعداء بما يسمى دعاة التنوير أو التغريب أو الاستشراق أشدّ فتكًا وشراسةً على الأخلاق والقيم ، لما تحمله عبر الكلمة البرّاقة، والشّاشة الملوّنة، والبث المباشر السّريع من فتن فكريّة كقطع الليل المظلم، حيث تغرس الشّك بدل اليقين، وتنشر الفتن بما يفسد الأخلاق ، وتشويه حقيقة الإسلام ، وينحدر بها إلى الهاوية كل هذا يحدث في ظلّ غياب الربانيين والمصلحين ، وغياب الوازع الديني لدى المسلم، فمثلا عندما ضعف الوازع الدّيني لدى المرأة المسلمة في ارتداء الحجاب وتأثّرت بما يرد من الغرب، وغابت حملات التوعية والإصلاح في هذا المجال عرف هناك أعداء الله أنّ لهم سندًا من المسلمين يمكن أن يعينهم في حملتهم ضدّ تعاليم الإسلام وقيمه الخاصّة بالحجاب.
فأعداء الإسلام لم يكن لهم أن يجرؤوا على دين الله لولا ضعف الوازع الديني
وغياب العمل الإصلاحي لدى كثير من المنتسبين إليه، لأنّ هذا الضعف والتّفريط في الوقوف على حدود الله يمثّل لهم مجالاً ينطلقون منه لإصابة هدفهم؛ كما قال تعالى:} إِن يَثۡقَفُوكُمۡ يَكُونُواْ لَكُمۡ أَعۡدَآءٗ وَيَبۡسُطُوٓاْ إِلَيۡكُمۡ أَيۡدِيَهُمۡ وَأَلۡسِنَتَهُم بِٱلسُّوٓءِ وَوَدُّواْ لَوۡ تَكۡفُرُونَ (2){ ] الممتحنة[
أي: لو قدروا عليكم لما اتقوا فيكم من أذى ينالوكم به بالمقال والفعال)
2ـ استعلاء أهل الشر والفساد وسيطرة الأشرار على مقاليد الأُمور:
ومن عواقب غياب الربانيين، ازدياد عدد المنحرفين وأهل الشر والفساد في الأرض، وانحسار عدد الصالحين وأهل الخير والتقى، وبازدياد عدد المفسدين والأشرار وانحسار عدد المصلحين والأخيار تكون الأجواء والظروف مهيأة لأهل الفجور للتمادي في انحرافهم وشرّهم وإفسادهم لعباد الله، وذلك لغياب من يردعهم، ومن يقف في وجوههم ليصدهم عن شرهم وفسادهم، حيث يأمنون من عدم الاعتراض وعدم الملاحقة، فتنطلق إرادتهم الضعيفة أمام الشهوات، وأنفسهم الشريرة من عقالها، فيعملون ما يحلو لهم، ثم يكون الأمر لهم ليسيطروا على مقاليد الأمور، ويوجهون الناس حسبما يرون ويشاءون، وتكون الكرّة لهم لملاحقة ومطاردة الأخيار والصالحين في جميع ميادين الحياة، ولا يبقى للأخيار والصالحين أي منفذٍ للنجاة أو النهوض بالأمر من جديد، فيعيشون الذل والامتهان إضافة إلى الأذى والتعذيب، وأعظم من ذلك تخلي الرعاية الإلهية عنهم، وعدم استجابة الله تعالى لدعائهم.
وإذا علا الفجار والأشرار في المجتمع كان ذلك بداية للدمار والخراب كما أُثر عن سيدنا عمر ابن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: "توشك القرى أن تخرب وهي عامرة قيل وكيف تخرب وهي عامرة، قال إذا علا فجارُها أبرارَها وساد القبيلةَ منافقوها".
3ـ انتفاء وصف الخيرية عن الأمة:
إن غياب الربانية عن الأمة يؤدي إلى ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مما يؤدي إلى زوال وصف الخيرية عن الأمة، لأنهم لم يستحقوا الثناء والمدح إلا لتحققهم بهذا الفعل، فإذا انتفى عنهم القيام بهذه الفريضة ينتفي عنهم الوصف بالخيرية، لأن انتفاء اللازم مستلزم لانتفاء الملزوم، قال الإمام القرطبي رحمه الله: "قوله تعالى: }تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ{ مدحٌ لهذه الأمة ما أقاموا ذلك واتصفوا به، فإذا تركوا التغيير وتواطأوا على المنكر زال عنهم اسم المدح ولحقهم اسم الذم، وكان ذلك سببا لهلاكهم"
4ـ الهزيمة أمام الأعداء:
إنّ قوّة الأمّة بقوّة دينها النّاتج عن تمسكها بعقيدتها ،كما أنّ ضعفها وهوانها على الأمم الأخرى ناتج عن ضعف تمسّكها بعقيدتها، ففي قوّة الأمّة قوّة للدّين، وفي ضعفها ضعف للدّين.
ولكن إذا ضعفت الربانية عند المسلمين نزل الوهن في قلوبهم، وفي ذلك إضعاف لقوّة المسلمين أمام أعدائهم ، وفي الحديث الذي رواه ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رسول الله (ﷺ) أنه قال:} يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن، فقال قائل يا رسول الله: وما الوهن؟ قال حب الدنيا وكراهية الموت{ ]رواه أحمد وأبو داود واللفظ له، وقال الهيثمي في المجمع إسناد أحمد جيد[.
ولأن الأمة تركت الجهاد في سبيل الله وتخلت عن فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، أصابها الوهن وتمكن منها عدوها ، رغم كثرة عددها كما أخبر رسول الله (ﷺ) ،فترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم أسباب الهزيمة أمام الأعداء، وذلك أن الساكت عن قول كلمة الحق إما أنه ممن }يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً (77){ [النساء].
وإما أنه قد انهزم أمام نفسه، واستسلم لهواه وشهواته، وأصبح لا يتمعر وجهه لمحارم الله تعالى، وفي كلا الحالين فهو لا يستحق نصر الله له، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: دخل عليَّ النبي (ﷺ) ، فعرفت في وجهه أن قد حضره شيء، فتوضأ، وما كلم أحدا، ثم خرج، فلصقت بالحجرة أسمع ما يقول، فقعد على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: }يا أيها الناس، إن الله تبارك وتعالى يقول لكم: مروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر، قبل أن تدعوني، فلا أجيبكم، وتسألوني فلا أعطيكم، وتستنصروني فلا أنصركم فما زاد عليهن حتى نزل {
]رواه الإمام أحمد في مسنده، وابن حبان في صحيحه، وابن ماجه، وصححه عدد من العلماء.[
فمن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من مخافة المخلوقين الذين لا يملكون ضراً ولا نفعاً نزعت منه الهيبة أمام الأعداء، وفقدان هيبتها أمام أعدائها وما ذلك إلا بتخليها عن منهج ربها وتركها للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي هو صمام أمنها ومصدر عزتها، فإذا خذلت دينها وكتابها كان الجزاء من جنس العمل كما قال سبحانه: }إِن يَنصُرْكُمُ اللّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكِّلِ الْمُؤْمِنُونَ(160){ [آل عمران].
وقال تعالى }يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرۡكُمۡ وَيُثَبِّتۡ أَقۡدَامَكُمۡ (7){ ] محمد[
أقول للذين آثروا السلامة والدعة ، وانطووا على أنفسهم قول الله سبحانه وتعالى {وَإن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ(83)} [محمد]،
وقوله تعالى{إلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(93)} [التوبة]
وقوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْـمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ(45)} [المائدة].
5ـ اللعن والطرد من رحمة الله تعالى:
عندما ترك بنو إسرائيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لعنوا على لسان أنبيائهم، قال تعالى: }لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ (78) كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ( 79){ [المائدة].
قال الإمام ابن كثير رحمه الله: }كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون(79){ أي كان لا ينهى أحدٌ منهم أحداً عن ارتكاب المآثم والمحارم ثم ذمهم على ذلك ليحذر أن يرتكب مثل الذي ارتكبوه".
قال رسول الله (ﷺ): }كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يدي الظالم ولتأطرنه على الحق أطرا ولتقصرنه على الحق قصرا{
وزاد الطبراني: «أو ليضربن الله قلوب بعضكم على بعض، ثم ليلعننكم كما
لعنهم» قال خلف: «تأطرونه»: تقهرونه. وقال تعالي تعالى: }إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَـئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (159){ [البقرة].
6ـ نزول العقوبات العامة :
غياب الربانية والتخلي عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبباً في جلب المصائب والعقوبات، وقد يكون سبباً في هلاكهم، ولو شاء الله أن يحاسب الناس على أفعالهم في الدنيا لما نجا أحد من عذاب الله كما قال سبحانه: }وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرا(45){ [فاطر].
فالله سبحانه يعفو عن الكثير من ذنوب عباده بمنه وحلمه وكرمه.
وهذه السنن جارية في العباد أفراداً ومجتمعات، فلا تنزل مصيبة بعبد إلا بسبب ذنب اقترفه أو معصية وقع فيها.
فعن أبي موسى أن رسول الله (ﷺ) قال: }لا يصيب عبداً نكبة فما فوقها أو دونها
إلا بذنب وما يعفو الله عنه أكثر{، قال: وقرأ: }وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ(30){ [الشورى] .
7ـ عدم استجابة الدعاء:
طبعا غياب الربانيين والمصلحين يؤدي إلى ترك فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والتخلي عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يمنع استجابة الدعاء، فعن حذيفة بن اليمان أن النبي (ﷺ) قال:{والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله عز وجل أن يبعث عليكم عذابا من عنده ثم تدعونه فلا يستجاب لكم } ]رواه الترمذي وحسنه[ . ومعنى أوشك أسرع.
8ـ الخسران في الدنيا والآخرة:
غياب الربانية سبب الخسران في الدنيا والآخرة، فلقد أقسم الله عز وجل في كتابه الكريم أن كل إنسان في هذه الدنيا في خسارة، إلا من حقق مراتب أربعة ذكرها الإمام ابن القيم عند قوله تعالى: } وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3) { [العصر].
العنصر السابع : نماذج رائعة للربانيين:
لم تعدم الأمة الربانيين والمجددين الذي حملوا العبء بعد رسول الله(ﷺ) وأصحابه الكرام رضوان الله عليهم في إصلاح الأمة من امثال:
1ـ الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز (61-101 هـ / 681-720 م):
هو ثامن الخلفاء الأمويين، ويلقب بـ "خامس الخلفاء الراشدين" نظراً للعدل والمساواة والزهد الذين ميزوا فترة حكمه، تشبهاً بجد أمه عمر بن الخطاب رضي الله عنه .
يُعد نموذجاً فريداً للإصلاح السياسي والاجتماعي، في خلافته القصيرة (سنتان وخمسة أشهر وأربعة أيام).
تولى الخلافة عام 99 هـ بناءً على وصية الخليفة سليمان بن عبد الملك واستمرت خلافته نحو سنتين ونصف فقط.
من أبرز أعماله الإصلاحية:
رد المظالم:
بدأ بنفسه وبعائلته من بني أمية، فأعاد الأموال والأراضي والامتيازات غير المستحقة إلى بيت مال المسلمين.
ورث عهوداً من الأخطاء متراكمة، ومظالم أخذت من بيت المال بغير حق، قال لمزاحم مولاه: "إن أهلي أقطعوني ما لم يكن لي أن آخذه، ولا لهم أن يعطونيه، وإني قد هممت برده على أربابه ثم رده بالفعل" [الكامل في التاريخ].
لما ولي الخلافة أحضر وجوه الناس، قال: "إن فَدًك (أرض زراعية فيها نخيل وثمر) كانت بيد رسول الله (ﷺ) يضعها حيث أراد الله ، ثم وليها أبو بكر وعمر كذلك، ثم أقطعها مروان (مروان حولها إلى إقطاعيات) "ثم صارت إلي ولم تكن من مالي، وإني أشهدكم أني قد رددتها على ما كانت عليه في عهد رسول الله (ﷺ)" [الكامل في التاريخ].
عمر بن عبد العزيز بدأ بنفسه، قال: "أنا عندي أشياء أهلي أعطوني إياها لا أستحقها، ولا يجوز لهم أن يعطوني إياها، أَخذت من بيت المال، هذه قد أعدتها".
ثم أقرب الناس إليه زوجته، قال لفاطمة زوجته: "إني قد وليت أمر أمة محمد (ﷺ) ، فإن كنت تريدين الله والدار الآخرة فسلمي حليك وذهبك إلى بيت المال، وإن كنت تريدين الدنيا فتعالي أمتعك متاعاً حسناً، واذهب إلى بيت أبيك، قالت: لا والله الحياة حياتك، والموت موتك، وسلمت متاعها وحليها وذهبها، فجعله في بيت مال المسلمين"
ثم بعائلته فأخذ ما بأيديهم وسمى أموالهم: مظالم، ففزع بنو أمية إلى عمته ،
للشفاعة لهم بعد أن استرد أموالهم التي أخذوها بغير وجه حق ووضعها في "بيت مال المسلمين" فيما عُرف بأموال المظالم.
استقبلها عمر بن عبد العزيز بكل إكرام واجلال، لكنه رفض طلبها وردهم عن ظلمهم، مؤكداً تمسكه بالحق.
لقد عبر عمر بن عبد العزيز عن تلك التغييرات التي تدرجت بالاجتماع الإسلامي نحو الجور والمظالم والتي ورثها الخليفة عن الذين سبقوه من خلفاء بن أمية، عبّر عنها الخليفة العادل عندما وصف الواقع الاجتماعي في ميدان الثروات والأموال، والتغييرات المتدرجة التي نقلته من العدل إلى الجور، فقال: "إن الله تبارك وتعالى بعث محمدًا (ﷺ) رحمة لم يبعثه عذابًا إلى الناس كافة، ثم اختار له ما عنده فقبضه إليه، وترك للناس نهرًا شربهم فيه سواء. ثم قام أبو بكر فترك النهر على حاله، ثم ولي عمر فعمل على عمل صاحبه، فلما ولي عثمان اشتق من النهر نهرًا، ثم ولي معاوية فشق منه الأنهار، ثم لم يزل ذلك النهر يشق منه يزيد ومروان وعبد الملك والوليد وسليمان حتى أفضى الأمر إليَّ، وقد يبس النهر الأعظم. ولن يروى أصحاب النهر حتى يعود إليهم النهر الأعظم كما كان عليه"
[فتوح البلدان]."
ولما يئس بنو أمية من ردّه عن الحق، لجأوا إلى أساليب أخرى، غير أن عمر ظل ثابتاً ولم يتراجع عن العدل
عزل الولاة الظالمين:
قام عمر بن عبد العزيز فور توليه الخلافة بعزل الولاة القساة والظالمين، الذين اشتهروا بالشدة وجباية الأموال بغير حق، وصادر أموال بعضهم التي اكتسبوها بالظلم ، وحظر عليهم ممارسة التجارة لمنع استغلال النفوذ، واستبدلهم بآخرين عُرفوا بالصلاح، والعدل، والتقوى ، مثل "عمرو بن مهاجر" الذي ولاه على حراسته بدلاً من الحراس العنيفين السابقين.
ومن أهم ولاته: أبو بكر بن محمد بن حزم: أعاد تعيينه والياً وقاضياً ليحكم بالعدل ويرفع المظالم.
وعبد الحميد بن عبد الرحمن: عينه والياً على العراق، وكتب إليه يوصيه بالرفق بالرعية والعدل والإحسان.
وهكذا أبطلت مغارم كثيرة فرضها الحجاج بن يوسف الثقفي ظلماً.
التدوين الرسمي للسنة:
كان عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى معدودًا في العلماء، وله آراء مذكورة في كتب الفقه والتفسير والحديث، فمن فتاواه أن من سبَّ النبي (ﷺ) يُقتل، وهذا القول نصره ابن تيمية، وألف كتابًا في ذلك عنوانه "الصارم المسلول على شاتم الرسول(ﷺ) ".
أمر العلماء وعلى رأسهم الإمام ابن شهاب الزهري بجمع الحديث النبوي وتدوينه رسمياً لحفظه.
العدالة الاجتماعية:
وزع الثروات بالعدل حتى فاض المال في عهده، ولم يجد العمال من يقبل الصدقة والزكاة ،وانتشر العدل، ونعم الناس بالأمن، حتى البهائم نعمت به.
روى ابن سعد أن راعيًا قال: "كنا نرعى الشاء بكرمان في خلافة عمر بن عبد العزيز، فكانت الشاء والذئاب والوحش ترعى في موضع واحد، فبينما نحن ذات ليلة إذ عرض الذئب لشاة، فقلت: ما أرى الرجل الصالح إلا قد هلك. قال حماد بن زيد: فحدثني هو أو غيره أنهم نظروا، فوجدوه قد هلك في تلك الليلة".
وروى عن مالك بن دينار: "لما استُعمل عمر بن عبد العزيز على الناس، قالت رعاء الشاء في رءوس الجبال: من هذا العبد الصالح الذي قام على الناس؟ قيل لهم: وما علمكم بذاك؟ قالوا: إنه إذا قام على الناس خليفة عدل، كفت الذئاب عن شائنا".
مثل هذا يحدث إذا نزل عيسى عليه السلام، فإذا الحاكم صلح نزعت الشرور من النفوس ومن البلاد، فأمنوا واطمأنوا. قال (ﷺ):}إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن{.
كان شديد الغيرة على الدين فمنع أهل الذمة من إدخال الخمور، ونهى عن النياحة والغناء، وأمر بالتنكيل بمن خالف ذلك.
كانت له إصلاحات كثيرة في الأمة ،فمنها أنه كتب إلى واليه سليمان بن أبي السرح: "اعمل خانات"، اعمل مثل الفنادق على الطرق طرق السفر، "فمن مر بك من المسلمين فأقروه يوماً وليلة، وتعهدوا دوابهم، ومن كانت به علة، فأقروه يومين وليلتين، وإن كان منقطعاً فأبلغه بلده[الكامل في التاريخ].
شديد الخوف من الله والزهد في الدنيا:
إذا خلي في بيته، غلَّ نفسه، ولبس المسوح، وقام يصلي يناجي ربه كالعبد الآبق ويقول: "اللهم إن عمر ليس بأهل أن تناله رحمتك، ولكن رحمتك أهل أن تنال عمر".
يكثر أن يقول: "اللهم سَلِّم سلم".
تقول زوجته : "ما رأيت أحدًا أكثر صلاة وصيامًا منه، ولا أحدًا أشد فرقًا من ربه منه، كان يصلي العشاء، ثم يجلس يبكي حتى تغلبه عيناه، ثم ينتبه فلا يزال يبكي حتى تغلبه عيناه.
قالت: ولقد كان يكون معي في الفراش، فيذكر الشيء من أمر الآخرة، فينتفض كما ينتفض العصفور في الماء، ويجلس يبكي، فأطرح عليه اللحاف رحمةً له،
وأنا أقول: يا ليت كان بيننا وبين الخلافة بُعد المشرقين!
فوالله ما رأينا سرورًا منذ دخلنا فيها".
وبكى مرة، فبكى لبكائه أهل الدار، فلما سُرِّي عنه سألوه، فقال: "ذكرت منصرف الناس يوم القيامة، فريق في الجنة وفريق في السعير".
يجمع العلماء والفقهاء ويجلس إليهم، هو الذي يطلبهم، ليس كل أسبوع، ولا كل شهر أو سنة، بل كل ليلة، فيذكرون الموت والآخرة، ثم يبكون حتى كأن بينهم جنازة.
كتب عمر بن عبد العزيز مرة إلى أحد إخوانه وكان في طريقه إلى الجهاد: "إن أحق العباد بإجلال الله والخشية منه، مَنِ ابتلاه الله بمثل ما ابتلاني به، ولا أحد أشد حسابًا ولا أهون على الله إن عصاه مني، فقد ضاق بما أنا فيه ذرعي، وخفتُ أن تكون منزلتي التي أنا بها -الرياسة والحكم- هلاكًا لي، إلا أن يتداركني الله منه برحمة، وقد بلغني أنك تريد الخروج في سبيل الله، فأحب يا أخي إذا أخذت موقفك أن تدعو الله أن يرزقني الشهادة، فإن حالي شديدة وخطري عظيم، فأسأل الله الذي ابتلاني به، أن يرحمني ويعفو عني".
كان شديد الزهد:
نشأ عمر بن عبد العزيز ناعم العيش، يؤتى بالقميص الرفيع اللين جدًّا فيقول: "ما أحسنه، لولا خشونة فيه!". فلما وَلِي الخلافة صار يلبس الغليظ المرقوع ويقول: "ما أحسنه لولا لينه!".
قال مالك بن دينار: "يقولون مالك زاهد، أي زهد عندي؟! إنما الزاهد عمر بن
عبد العزيز أتته الدنيا فاغرة فاها، فتركها جملة".
قال له رجل: جزاك الله عن الإسلام خيرًا. فقال: "بل جزى الله الإسلام عني خيرًا".
ولما تمت له البيعة جيء بمراكب الخلافة براذين وخيل وبغال، ولكل دابة سائس، قال: ما هذا؟ قالوا: مراكب الخلافة، قال: دابتي أوفق لي، ردوها إلى بيت المال
[الطبقات الكبرى].
جاءه أصحاب المراكب يسألونه العلوف والرزق للخدم، قال: "ابعثوا بها إلى أمصار الشام يبيعونها، ويجعلون أثمانها في مال الله يعني في بيت المال، تكفيني بغلتي هذه الشهباء[سير أعلام النبلاء].
لما حاول صاحب الشرطة أن يمشي بين يديه بالحربة كما كان عادة من قبله من الخلفاء انتهره، قال: تنحى عني، إنما أنا رجل من المسلمين.
وقيل لـ عمر بن عبد العزيز: "لو أتيت المدينة، فإن قضى الله موتًا، دفنت في موضع القبر الرابع مع رسول الله (ﷺ) ". فقال: "والله لأن يعذبني الله بغير النار، أحب إليَّ من أن يعلم من قلبي أني لذلك أهلٌ".
من أقوال عمر بن عبد العزيز: "إن نفسي تواقة، وإنها لم تعط شيئًا إلا تاقت إلى ما هو أفضل، فلما أعطيت الذي لا شيء أفضل منه في الدنيا، تاقت إلى ما هو أفضل من ذلك"؛ أي الجنة.
مات عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه سنة 101هـ وعمره تسع وثلاثون سنة، مدة خلافته سنتان وخمسة أشهر، وهو من نسل عمر بن الخطاب، فهو جده لأمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكان يُلقب بالأشج؛
لشجة كانت في وجهه.
ولما مات عمر بن عبد العزيز، قال الحسن البصري: "مات خير الناس".
2ـ نور الدين محمود :
مضت الأيام والدهور، والمسلمون فيهم خير، ويظهر مصلحون، وظهر نور الدين محمود رحمه الله في وقت هيمنة الصليبيين، قام بإبطال البدعة وإظهار السنة، في عام خمسمائة وثلاث وأربعين أبطل الأذان بحلب بـ"حي على خير العمل"، والتظاهر بسب الصحابة، فعظم ذلك على أهل البدعة، وضاقت صدورهم، وهاجوا وماجوا، لكنهم سكتوا وأحجموا خوفاً من السطوة النورية المشهورة، والهيبة المحذورة.
قام يبني المدارس، ينشر العلم، ينشر السنة، إدارة إسلامية، يحافظ على صلاة الجماعة، يكثر الصلاة في الليل، كان رجال نور الدين ومعاونوه وقادة جيشه على هذا المستوى العظيم من العلم والأخلاق، صلاح الدين قام فكبت الباطنية وأزال دولة الفاطمية، ألغى الضرائب، أرجعت مظالم، بنيت مساجد، جهزت جيوش، بنيت قوة عسكرية للمسلمين، وبهذا تم الانتصار ودحر الصليبيين.
3ـ ابن تيمية : (661 - 728 هـ / 1263 - 1328 م)
هو أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام النميري الحراني، يلقب بـ "شيخ الإسلام"، وهو أحد أبرز علماء وعقليات التاريخ الإسلامي تجديداً وإصلاحاً، وتميز بالجمع بين عمق العلم والشجاعة في الجهاد.
شيخ الإسلام ابن تيمية وما أدراك ما شيخ الإسلام ما ترك بدعة إلا حاربها، إصلاح في وسط بحر لجي ظلمات بعضها فوق بعض من البدع.
كرس حياته لتنقية العقيدة الإسلامية مما شابها من الفلسفات اليونانية وآراء المتكلمين، ودعا للعودة إلى منهج السلف الصالح المعتمد على القرآن والسنة.
و لم يكن عالماً حبيس الكتب؛ بل قاد الجبهة الداخلية في الشام ضد غزو التتار، وشارك بنفسه مقاتلاً في "معركة شقحب" الشهيرة عام 702 هـ وثبّت قلوب الناس والملوك.
و ترك ثروة علمية ضخمة تميزت بالتحليل العميق والموسوعية، ومن أشهر مؤلفاته "مجموع الفتاوى"، و"درء تعارض العقل والنقل"، و"السياسة الشرعية".
وقام بتربية التلاميذ الفطاحل: حيث تخرج على يديه علماء كبار حملوا شعلة الإصلاح من بعده، وعلى رأسهم الإمام ابن قيم الجوزية، والحافظ ابن كثير،
والإمام الذهبي.
4ـ صلاح الدين الأيوبي (القائد والمصلح) (532 - 589 هـ / 1137 - 1193 م) :
هو الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، مؤسس الدولة الأيوبية ، وبطل معركة حطين ومحرر القدس من الصليبيين.
ولد في تكريت (العراق حالياً)، ونشأ في دمشق في بلاط الملك العادل نور الدين زنكي، حيث تعلم فنون السياسة والحرب والعلوم الشرعية.
يُعد في التاريخ الإنساني رمزاً للفروسية والشجاعة والعدالة والنبل بشهادة أعدائه قبل أصدقائه.
قاد الجيش الإسلامي في واحدة من أهم المعارك الفاصلة في التاريخ (معركة حطين 583 هـ / 1187 م) حيث سحق قوات الصليبيين وفتح الطريق لتحرير المدن الساحلية.
واستعاد بيت المقدس والمسجد القدس في نفس العام بعد 92 عاماً من الاحتلال الصليبي، وضرب مثلاً تاريخياً في التسامح العسكري عندما عفا عن الأسرى والمستسلمين ولم ينتقم للمذابح السابقة التي ارتكبها الصليبيون ضد المسلمين.
الإصلاح الفكري والمؤسسي:
لم يكن قائداً عسكرياً فحسب، بل كان مصلحاً ربانياً، حيث بنى المدارس النظامية لحماية الهوية السنية ونشر العلم، وأحيا المساجد ، ووحد صفوف الأمة، وألغى المكوس والضرائب الثقيلة عن كاهل الشعوب، واهتم بتحصين المدن وبناء القلاع (مثل قلعة صلاح الدين بالقاهرة).
5ـ الإمام محمد الغزالي (مجدد العصر الحديث)(1335 - 1416 هـ / 1917 - 1996 م) :
ـ هو مفكر إسلامي مصري بارز، يُعد من مجددي الفكر الإسلامي في العصر الحديث .
ـ أحد أبرز علماء الأمة في العصر الحديث، اشتهر بفكره المستنير وجهوده في تنقية الإسلام من الخرافات، والرد على الشبهات، وربط نصوص الوحي بالواقع المعاش.
ـ لُقّب بـ "أديب الدعوة" لأسلوبه البياني الآسر، وتميز بجرأته في الحق، ومحاربته للجمود الفكري والتعصب، ومقاومته للاستعمار والغزو الثقافي .
ـ ولد في قرية "نكلا العنب" بمحافظة البحيرة بمصر.
ـ حفظ القرآن في كتاب القرية في سن العاشرة، ثم التحق بالأزهر الشريف وتخرج في كلية أصول الدين عام 1941م.
ـ تنقل في مناصب دعوية وجامعية عديدة؛ فعمل مديراً للمساجد في مصر، ودرّس في جامعة أم القرى بالسعودية، وجامعة قطر.
كما تولى رئاسة المجلس العلمي لجامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية بالجزائر لعدة سنوات.
خاض معارك فكرية شرسة ضد تيارين؛ تيار العلمانية والتغريب الذي يريد إقصاء الدين، وتيار التشدد والجمود الفكري الذي يشوه سماحة الإسلام وعقلانيته
تميزت كتبه بالعمق والسهولة وملامسة واقع الأمة، وترك أكثر من 60 مؤلفاً من أشهرها: "جدد حياتك" (ربط فيه بين توجيهات الإسلام وعلم النفس الحديث)، و*"فقه السيرة"، و"دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين"، و"هموم داعية" "وكيف نفهم القرآن الكريم وغيره كثير...".
ـ دعا إلى فهم سنن الله في الكون والمجتمعات، وأكد أن تخلف المسلمين يعود إلى سوء فهمهم لِدينهم وتركهم للأخذ بأسباب القوة المادية والعلمية، وليس لعيب في الإسلام نفسه.
ـ كان من أوائل الدعاة المعاصرين الذين طالبوا بإنصاف المرأة وإعطائها حقوقها
الشرعية كاملة في التعليم والعمل والمشاركة المجتمعية، محارباً العادات والتقاليد
الجاهلية التي أُلبست ثوب الدين.
ـ خاض الشيخ محمد الغزالي معارك فكرية حاسمة ضد التيارات العلمانية في مصر على مدار عقود، وتحديداً في فترتي الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي.
ـ تميزت هذه المعارك بالشدة والعمق، وتركزت حول هوية الدولة، والتشريع، ودور الدين في المجتمع.
ـ كان الغزالي يرى العلمانية في مصر امتداداً للاستعمار الثقافي، وحارب بقلمه مظاهر هذا التغريب.
ـ كان يرى أن الإسلام هو دين العقل الأول، وأن التخلف الذي تعيشه الأمة يعود لترك السنن الكونية والعلمية، وليس بسبب التمسك بالدين.
ـ اعتبر التنوير العلماني "زائفاً" لأنه يبدأ بقطع الصلة بالوحي الإلهي، بينما التنوير الحقيقي يدمج بين هداية الوحي وإبداع العقل.
ـ أوضح الغزالي أن الدولة في الإسلام دولة مدنية تقوم على الشورى والمؤسسات وليست دولة "ثيوقراطية" (دينية بالمعنى الغربي الكنسي)، وبالتالي تسقط حجة العلمانيين في الخوف من الاستبداد الديني.
ـ من أبرز الكتب التي ألفها الشيخ الغزالي خصيصاً للرد على العلمانية (مثل كتاب "قذائف الحق" أو "حصاد الغرور").
*جهود الغزالي في الجزائر لدعم الهوية الإسلامية والعربية بعد الاستقلال*:
ـ جاءت جهود الشيخ محمد الغزالي في الجزائر خلال فترة الثمانينيات من القرن الماضي (وتحديداً بين عامي 1984 و1989) كطوق نجاة للهوية الجزائرية التي كانت تمر بمرحلة مخاض عسير بعد الاستقلال، حيث تولى رئاسة المجلس العلمي لجامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية بقسنطينة، وقدم عبرها نموذجاً فذاً في التربية والإصلاح.
تمثلت أبرز جهوده لدعم الهوية الإسلامية والعربية في الجزائر بالآتي:
ـ إحياء وبناء الشخصية الجزائرية بعد الاستقلال
واجه الشيخ الآثار الثقافية واللغوية التي تركها الاحتلال الفرنسي (الفرنكوفونية)، وعمل على إعادة ربط الشباب الجزائري بأرومته العربية والإسلامية.
فكان يصر على التدريس، وإلقاء الخطب، وإدارة الندوات باللغة العربية الفصحى
، محفزاً الطلبة والمسؤولين على الاعتزاز بها لغةً للهوية والدين.
ـ ترشيد الصحوة الدينية ومحاربة التطرف :
شهدت الجزائر في الثمانينيات غلياناً سياسياً ودينياً وبدايات لتيارات متشددة، فكان الغزالي صمام أمان؛ حيث حارب الغلو الفكري، ودعا إلى الوسطية والاعتدال، وحذر الشباب من مغبة التكفير والصدام مع المجتمع.
حيث انتقد التدين الذي يهتم بالشكليات ويهمل جوهر الإسلام وحضارته، وعلم الشباب كيف يربطون بين تدينهم وبين عمارة الأرض والأخذ بأسباب العلم المادي.
ـ قام بهيكلة التعليم الإسلامي في جامعة الأمير عبد القادر، حيث وضع الشيخ خططاً دراسية تجمع بين الأصالة والمعاصرة؛ فلم يكتفِ بتدريس الفقه والتفسير، بل أدخل مواد الفكر، وعلم النفس، والاجتماع، والتاريخ الإنساني.
ـ و كان يهدف إلى تخرج "عالم عصري" يستطيع تفكيك الأطروحات الغربية والإلحادية والرد عليها بروح علمية، مما ساهم في تخريج جيل من الأساتذة والقضاة والدعاة الذين يقودون المؤسسات الجزائرية اليوم.
ـ فتح الشيخ قنوات حوار هادئة مع المثقفين الجزائريين الذين تلقوا تعليماً فرنسياً ولم يكن لديهم خلفية شرعية، ونجح في إقناع الكثير منهم بأن الإسلام لا يتعارض مع التقدم والمدنية، بل هو دافع لهما.
ـ بسبب هذه الجهود، حظي الشيخ الغزالي بمحبة رسمية وشعبية جارفة في الجزائر، واعتبره الجزائريون امتداداً لمدرسة رائد الإصلاح الشيخ "عبد الحميد بن باديس".
ـ توفي في الرياض أثناء مشاركته في مؤتمر حول الإسلام وتحديات العصر، ودُفن بناءً على وصيته في مقبرة البقيع بالمدينة المنورة
الخاتمة:
أيها الربانيون ..
قادة الأمة، أنتم الفضلاء أنتم العلماء، أنتم القدوة، رفعكم الله بالعلم وزينكم بالحلم، عرفتم الحلال والحرام، والضار والنافع ، والحسن والقبيح، أنتم ورثة الأنبياء، أنتم أصحاب الحجة والبيان، أنتم تستغفر لكم الحيتان في البحار، والنمل في الجحر، وتضع لكم الملائكة أجنحتها، أنتم فقدكم أعظم مصيبة، قال تعالى }أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا (41) { [الرعد]، فسّره طائفة من السلف ذهاب فقهائها وخيارها، }نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا (41){[الرعد]، من علمائها، الأطراف الخيار الكرام والعلماء الربانيون الراسخون مثل النجوم يُهتدى بها، مثَل العلماء في الأرض مثل النجوم في السماء، إذا ظهرت لهم شاهدوا، وإذا غابت عنهم تاهوا.
أنتم أولى الناس بالقيام بمهمة التغيير والنهوض بالأمة والوصول بها إلى بر الأمان ، تعلمون أن حاجة الأمة اليوم إلى من يأخذ بيدها إلى شاطئ الأمان في أمور دينها ودنياها، أشد من حاجة العطشان إلى الماء البارد في اليوم الحار.
فالأمل إذاً معقود - بعد الله - عليكم في العالم العربي والإسلامي، أن تنهضوا بهذا العبء الثقيل، ذي الشرف الرفيع، في الدنيا والآخرة، وأن تسدوا هذه الثغرة العظيمة من حياة الأمة.
إن الإنسان اليوم يعاني من أزمات شتى تكاد تعصف به؛ فالخواء الروحي، والتمزق المهول، والأثرة، وتفشي الظلم، والغزائر البهيمية البارزة في مناحي الحياة، والضياع الذي تعيشه كثير من شعوب العالم، بسبب البعد عن دين الله، وشيوع الجهل، وغلبة الأهوال، واستحكام البدع، والإعراض عن الاحتكام إلى شرع الله، سبحانه.
كل هذا وغيره يستدعي المبادرة إلى العمل الجاد ، والأخذ بأيدي الناس إلى الربانية وإحياء الوازع الديني والضمير الإنساني.
إن قيامنا بهذا الواجب على المستوى الفردي والجماعي مؤذن بتوفيق الله ، وانحسار المنكرات ، وإلا فإن السيل قد يجرف ما يمر به في طريقه ، ويغلبنا السفهاء والفجار على أنفسنا ،وأهلينا، وحرماتنا، ومقدساتنا، وتعم المفاسد والشرور .
فعلي كل منا أن يقوم بدوره ،فالكل مسئول أمام الله تعالي كما قال تعالي {وَقِفُوهُمْ ۖ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (24)}[الصافات] .
فعلي كل منا أن يعمل علي تبرئة ساحته أمام الله عز وجل يوم القيامة {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)} [الصافات].
فاللهم هيئ لنا من أمرنا رشدا واجعلنا من عبادك السعداء.
اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ،
وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، وأحسن عاقبتنا في الأمور كلها وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة .
آمين يا رب العالمين.
تمت بحمد الله وتوفيقه
==============
المراجع
1ـ القرآن الكريم.
2ـ صحيح البخاري.
3ـ صحيح مسلم.
4ـ الفتاوى الكبرى.
5ـ مدارج السالكين ابن القيم.
6ـ تفسير ابن كثير.
7ـ التحرير والتنوير. الطاهر بن عاشور
8ـ طريق الهجرتين. ابن القيم
9ـ فتوح البلدان. البلاذري
10ـ الكامل في التاريخ. ابن الأثير.
11ـ الطبقات الكبرى ابن سعد.
12ـ عمر بن عبد العزيز ضمير الأمة وخامس الراشدين . د. محمد عمارة
13ـ خلق المسلم الشيخ محمد الغزالي.
14ـ البداية والنهاية ابن كثير.
15ـ سير أعلام النبلاء الإمام الذهبي.
16ـ الدرر السنية.
17ـ الإيمان والحياة. القرضاوي.
18ـ الرسالة القشيرية .
====================================
رابط pdf
رابط doc
