الاثنين، 10 أغسطس 2026

التكافل في الإسلام




الحمد لله رب العالمين .. أكد على مبدأ الولاية المتبادلة بين المؤمنين في المجتمع وجعله من موجبات رحمته تعالى فقال تعالى } وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓۚ أُوْلَٰٓئِكَ سَيَرۡحَمُهُمُ ٱللَّهُۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ (71){ ]التوبة [ .

فنحمده سبحانه وتعالي علي نعمة الإسلام العظيم وكفى بها نعمة ، ونشكره أن هدانا للقرآن الكريم ولولاه ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا ، ونتوب إليه ونستغفره ، ونعوذ به من شرور أنفسنا ، ومن سيئات أعمالنا ، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له .

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له .. له الملك وله الحمد يحي ويميت وهو علي كل شيء قدير .. أمر بالتعاون على البر والتقوي ونهى عن التعاون على الإثم والعدوان فقال تعالى } وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ (2){ ] المائدة [.

وأشهد أن سيدنا محمد رسول الله (ﷺ) ربى المجتمع المسلم على التراحم والتكافل فكان كالجسد الواحد :فعن النعمان بن بشير رضي الله عنها قال : قال رسول الله (ﷺ): «مَثَلُ المُؤْمِنِينَ في تَوَادِّهِمْ وتَرَاحُمِهِمْ وتَعَاطُفِهِمْ، مَثَلُ الجَسَدِ إذا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى له سَائِرُ الجَسَدِ بالسَّهَرِ والحُمَّى».[متفق عليه].

فاللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً

أما : بعد .. فيا أيها المؤمنون.

لقد حرص الإسلام الحنيف على بناء المجتمع على الحب والرحمة والتكافل وجميع معاني الإخوة الإسلامية ، فأقام النبي (ﷺ) المؤاخاة بين الصحابة الكرام رضوان الله عليهم منذ أول يوم وصل إلى المدينة المنورة حتي يضمن للمجتمع سلامته من كل أمراض القلوب فالمسلمون أمة واحدة ، يسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم، وهم إخوة، جمعهم الإيمان بكتاب واحد، ورسول واحد، وشريعة واحدة.

لذلك وصف الله تعالى الصحابة الكرام في القرآن الكريم فقال تعالى }مُّحَمَّدٞ رَّسُولُ ٱللَّهِۚ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلۡكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيۡنَهُمۡۖ .. (29){ ] الفتح[ .

ولقد رسخ الإسلام لمبدأ التكافل بين المسلمين واعتبر ذلك من الإيمان واليوم

الآخر ، لذلك كان حديثنا عن } التكافل في الإسلام { وذلك من خلال هذه العناصر الرئيسية التالية ..

1ـ مفهوم التكافل .

2ـ التكافل مسئولية الجميع .

3ـ حقيقة التكافل في الإسلام .

4ـ صور التكافل في الإسلام.

5ـ فوائد التكافل في الإسلام  .

6ـ وسائل تحقيق التكافل في الإسلام .

7ـ صور مشرقة للتكافل في الإسلام .

8ـ الخاتمة .

===============================

العنصر الأول : مفهوم التكافل :

تدل مادة "كفل" لغويًا على عدة معان منها: الرعاية والإنفاق والضمان والنصيب والمثل.

وكلمة التكافل تشير إلى أن مسؤولية الرعاية مشتركة بين أفراد الأمة كلها كالتشاور والتراحم والتضامن والتعاون، وسوى ذلك مما تدل عليه صيغة التفاعل..

التكافل مسئولية الجميع:

التكافل في الإسلام مسئولية الجميع، كل حسب قدرته، وما يسر له من الطاقات والإمكانات، وإلى هذا المعنى ينبه حديث رسول الله (ﷺ) }المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا{ ]رواه الشيخان[، ثم شبك رسول الله (ﷺ) بين أصابعه تأكيدًا لمعنى يشد بعضه بعضا.

حقيقة التكافل في الإسلام :

القرآن الكريم حين يقرر: }إنَّمَا الْمُؤْمِنُوْنَ إخْوَة (10){ ]الحجرات[.

فإنما يقرر أن بينهم تكافلاً وتضامنًا في المشاعر والأحاسيس وفي المطالب والحاجات، وفي المنازل والكرامات، وذلك لأن إعلان الإخاء بين أفراد مجتمع ما هو تقرير للتكافل بهذا المعنى الشامل الذي يعبر عن وحدة الأمة أصدق تعبير، ويؤكد أنها كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر.

وما دام التكافل في الإسلام على هذا النحو من الشمول، ومادام مسؤولية مشتركة بين الجميع؛ فإنه لا يكون مقصورًا على الجانب المادي في حياة الأمة، كما لا يكون إحسانًا وتفضلاً كما قد يظن بعض الناس، وإنما هو حق واجب، وفريضة مشروعة، وهو أيضًا تكافل يتجاوز الحاجات المادية إلى سائر جوانب الحياة الإنسانية؛ لأنها  بما تشتمل عليه من قيم يحرص الإسلام عليها أبلغَ الحرص تحفظ على الأمة صدق إيمانها وسمو مشاعرها ومتانة الصلة بين أفرادها.

صور التكافل في الإسلام :

التكافل المعنوي:

إن بين المسلم وأخيه تكافلاً معنويًا يتمثل في المحبة والوئام؛ فلا بغضاء ولا شحناء، ولا كراهية، ولكن محبة صادقة ومودة حميمة وعطف كريم تعكس معاني الأخوة التي تفرض على المسلم أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه حتى يصح إيمانه ويسلم يقينه، كذلك يتمثل هذا اللون من التكافل في مواقف متعددة منها التهنئة في السراء والمواساة في الضراء، والتعاون على البر والتقوى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والسعي عند الحاجة والمعاونة عند الشدة، والعفو والصفح والتجاوز عن العثرات واللمم، قال تعالى: }وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134){ ]آل عمران[

فالمسلم الذي يحب أن يغفر الله له ويعفو عما وقع منه ينبغي عليه أن ينفق في كل حال، وأن يحاول التخلق بالصفح وكظم الغيظ والإحسان إلى الآخرين.

ويبلغ الإسلام درجةً ساميةً في التجاوز عن العثرات حين يدعو إلى العفو فحسب؛ وإنما يدعو إلى الدفع بالتي هي أحسن، أي الرد على السيئة بالحسنة فهما لا يستويان أبدًا قال تعالى }وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (35){ ]فصلت[

وقال رسول الله (ﷺ): }اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن{ رواه الترمذي.

وحتى يسود هذا التكافل المعنوي المجتمع أمر الإسلام بالإصلاح بين الناس، وحرم كل ما يمزق وشائج الإخاء، وينزع المحبة والرحمة من القلوب، وحسن المعاملة في التصرف والسلوك؛ فقد حرم الربا والاحتكار وأكل المال بالباطل والغيبة والنميمة والكذب والنفاق والفردية والسلبية والأثرة، وغير ذلك من الصفات الذميمة التي تفرق بين المؤمنين، وتجعل بأسهم بينهم شديد؛ فلا يعتصمون بحبل الله، ولا يتراحمون ولا يتناصفون، ولا يواجهون عدوهم صفًا واحدًا كأنهم بنيان مرصوص.

وبتلك المعاني التي أوجزت القول فيها يتحقق التكافل في أرفع صوره وأرق مشاعره بين الناس؛ لأنه تكافل معنوي ينبثق من العقيدة التي ألفت بين القلوب وآخت بين البشر كافة، وحررت الإنسانية من كل مزاعم العنصرية والطائفية، ودعت إلى العدالة والفضيلة واحترام آدمية الإنسان دون نظر إلى عقيدته أو جنسيته، ولا تعرف النظم الوضعية هذه المعاني في التكافل فهي تقصره على الإعانات المادية في نطاق محدود.

التكافل المادي:

فرض الإسلام على الأمة  أن تيسر لكل فرد فيها عملاً مشروعًا حتى لا يكون في الأمة فرد عاطل، وعضو مستهلك فقط، ومن ثم تدور عجلة الإنتاج في قوة، وتجني الدولة أطيب الثمرات في مختلف المجالات، ويتوافر لها بهذا كله كل أسباب القوة والمنعة والعزة والقيادة، وإعلاء كلمة الله في الاَرض؛ فمنطق الحياة يؤكد أن الأمم العاملة هي الأمم القوية العزيزة، وأن الأمم الخاملة المتواكلة المهملة هي الأمم الضعيفة المتخلفة التي تفقد حريتها وكرامتها، واستقلالها.

وهذا ما قام به النبي (ﷺ) مع الرجل الذي جاء سائلاً،  فعن أنس رضي الله عنه  أنَّ رجلاً من الأنصار أتى النبي (ﷺ) يسأله فقال (ﷺ): (أَمَا في بيتك شيء؟، قال الرَّجل: بلى، حِلْسٌ[كساء يلبس، ويفرش على الأرض، ويجلس عليه.] نلبس بعضَه، ونبسط بعضه، وقَعْبٌ[الإناء.] نشربُ فيه من الماء، قال (ﷺ) ائتني بهما ، فأتاه بهما، فأخذهما رسول الله (ﷺ) بيده، وقال: مَن يشتري هذين؟، فقال رجل: أنا آخذهما بدِرهم، قال (ﷺ): مَن يَزيد على درهم؟ مرَّتين أو ثلاثًا، قال رجل: أنا آخذهما بدِرهمين، فأعطاهما إيَّاه وأخذ الدِّرهمين، وأعطاهما الأنصاريَّ، وقال: اشترِ بأحدهما طعامًا، فانبذه إلى أهلك، واشترِ بالآخرِ قَدُومًا فأتِني به.

فأتاه به، فشدَّ فيه رسولُ (ﷺ) عودًا بيده، ثم قال له: اذهبْ فاحتطب وبِعْ، ولا أرينَّك خمسةَ عشرَ يومًا ، فذهَبَ الرجل يحتطبُ ويبيع، فجاء وقد أصاب عَشرةَ دراهم، فاشترى ببعضها ثوبًا، وببعضها طعامًا، فقال رسول الله (ﷺ) هذا خيرٌ لك مِن أن تجيءَ المسألةُ نُكتةً في وجهك يومَ القيامة؛ إنَّ المسألة لا تصلح إلاَّ لثلاثة: لذي فَقر مُدقِع، أو لذي غُرْم مُفظِع، أو لذي دمٍ مُوجِع) ]رواه أبو داود برقم ، واللفظ له، ، وابن ماجه ، والنسائي ، وأحمد[

فكانت معالجته معالجة عمليَّة؛ استخدم فيها (ﷺ) كل الطاقات والإمكانات المتوفِّرة لدى الشخص الفقير، وإن تضاءلت؛ حيث علَّمه رسول الله (ﷺ) كيف يجلب الرزق الحلال من خلال عمل شريف.

وهذا الجانب في حياة الأمة الإسلامية، جانب العمل والإنتاج يحقق لها التكافل الذي يحمي من الضعف على تباين صوره، ويجعل منها في كل زمان ومكان أمةً عزيزةً أبيةً لا ترضى بالدنية في دينها ودنياها:}وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ(8){ ]المنافقون[

مجالات التكافل المادي:

يشمل هذا التكافلُ كلَّ من انقطعت بهم أسباب العيش لعجز أيًّا كان لونه، كما يشمل كل من تعرض لخسارة مالية بسبب جائحة "وهي الآفة التي تهلك الثمار والأموال وتستأصلها، وكل مصيبة عظيمة"، أو حريق أو سيل أو دين في غير معصية ولو كان لديه مال ولكن الدين محيط به، هذا الجانب من التكافل وإن كان في شكله ماديًّا؛ فهو في جوهره تكافل معنوي، لُحمته وسداه الأخوة في العقيدة، وحق الرعية على الراعي، والإيمان بأن المال الذي بأيدينا إنما هو مال الله ونحن خلفاء عنه فيه، وعلينا أن ننفق من هذا المال كما أمر سبحانه.

قال الله تعالى: }وَأَنْفِقُوْا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِيْنَ فِيْه(7){ ]الحديد[ ، }وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (26) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا(27){ ]الإسراء[.

والتكافل في الإسلام ، يعني التزام القادر من أفراد المجتمع تجاه أفراده , قال تعالى في وصف المؤمنين الصالحين }وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9){ ]الحشر[ .

عَنْ أَبي سَعِيدِ الْخُدْرِيِّ ، قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ فِي سَفر مَعَ اَلنبِيِّ ، (ﷺ) ، إِذْ جَاءَ رَجُل عَلَى رَاحِلَة لَهُ ، قَالَ : فَجَعَلَ يَصْرِفُ بَصَرَهُ يَمِينأ وَشِمَالاً ، فَقَالَ رَسُولُ الله (ﷺ): "مَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لاَ ظَهْرَ لَهُ ، وَمَنْ كَانَ لَهُ فَضْل مِن زَاد فَليَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لاَ زَادَ لَهُ ، قَالَ : فَذَكَرَ مِن أَصْنَافِ اَلْمَالِ مَا ذَكَر ، حَتُّى رَأَيْنَا أَنَهُ لاحق لأَحَدٍ منا فِي فَضْل". ]أخرجه أحمد مسلم وأبو داود[

 وقد بين الرسول  صلى الله عليه وسلم  مسؤولية المجتمع عن كل فرد محتاج فيه ، في عبارة قوية في إنذارها للفرد والمجتمع : « ليس المؤمن بالذي يشبع وجاره جائع إلى جنبه » رواه البخاري في الأدب المفرد.

وقد حذر النبي (ﷺ) من الأنانية وعدم الاهتمام بالمسلمين ، فقد رُوِي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: }وأيّما أهل عرصة أصبح فيهم امرؤ جائع فقد برئت منهم ذمة الله تعالى{،

ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم : «من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة».

وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث، ومن كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس أو سادس».

ويروى كذلك : «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه»

ثم يقول ابن حزم : «ومن تركه يعرى ويجوع وهو قادر على إطعامه وكسوته فقد أسلمه». 

ومن الكفالة كفالة اليتيم ،فقد وصَّى به القرآن الكريم توصيةً شديدةً تضمن له تأمينًا كاملاً وكفالةً تامةً: }أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2) وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (3){ ]الماعون[

وقال تعالى }إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا(10){ ]النساء[

وقال رسول الله (ﷺ) }أنا وَكافلُ اليتيمِ في الجنَّةِ كَهاتين ، وأشارَ بأصبُعَيْهِ يعني : السَّبَّابةَ والوسطى{ ] صحيح الترمذي[

وكذلك العمال والمرضى ومن في حكمهم لهم حقوق تكفل لهم حياةً طيبةً فاضلةً؛ فكل فرد في المجتمع الإسلامي دون تفرقة بين الأديان والأجناس  له حق الحياة الإنسانية الكريمة، فقد رُوِيَ أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه رأى يهوديًا مسنًا يسأل الناس، فسأله: ما الذي حملك على هذا؟ فأجاب: الجزية والسن، فقال عمر له: ما أنصفناك أكلنا شبيبتك حتى إذا كبرت ووهن عظمك أضعناك، ثم أمر به وبنظرائه فوُضِعَت عنهم الجزية، وفُرِضَ لهم من بيت المال ما يكفيهم.

وكان عمر بن عبد العزيز يقول لرجاله في الأمصار: اقضوا عن الغارمين فكتب

 إليه بعضهم: إنا نجد للرجل منهم مسكناً وخادمًا وفرسًا وأثاثاً، فكتب إليهم عمر:

 نعم؛ فاقضوا عنه؛ فإنه غارم.

فوائد التكافل في الإسلام :

التكافل الاجتماعي لا يحمل النفع لطرفٍ واحد فحسب بل يمتد النفع إلى كلا الطرفين أو حتى المجتمع بأكمله في بعض الأحيان، ومن أهم فوائد التكافل الاجتماعي:

الشعور بالسعادة عند مساعدة الآخرين:

هناك العديد من الأدلة التي تُشير إلى أنّ قيامك بمساعدة الآخرين يُحفز بعض التغييرات الفسيولوجية في الدماغ والتي ترتبط بالسعادة.

الشعور بالانتماء:

عندما تُساعد شخصاً ما فأنت تخلق صداقةً بينك وبين هذا الشخص، هذه الروابط الاجتماعية الناشئة عن مساعدة الآخرين ستجعلك تشعر بالانتماء والارتباط بالمجموعة البشرية ويمكن أن تدفعك للانخراط في نشاطاتٍ اجتماعية فتبعدك عن الوحدة.

الحصول على هدف حياتي:

الحياة التي تخلو من الأهداف غالباً ما تكون فارغةً ومتعبة، لكن وعندما تقوم بمساعدة الآخرين سواء بالمال أو عبر التطوع أو تقديم الخدمات أو أياً كانت الطريقة فستشعر بالرضا والسعادة مع إحساسٍ بأنّ حياتك ليست فارغةً.

تعزيز الشعور بالرضا:

دوماً ما يوجد في الحياة من يمتلكون ظروفاً أسوأ من ظروفنا ومن تُسعفهم الظروف في أن يتفوقوا علينا، وفي خضم المنافسة الكبيرة في الحياة يمكن أن يجعلنا التكافل الاجتماعي ومساعدة الآخرين نشعر بمعاناة من هم أقل حظاً منّا فنقدّر النعم التي نمتلكها.

تشجيع الآخرين على المساعدة:

 بينت الدراسات أنّ مشاهدتك لشخصٍ يُساعد الآخرين يزيد من احتمال تقديمك المساعدة للآخرين، وضمن نظام التكافل الاجتماعي يمكن أن تدفع مساعدة الأفراد لبعضهم أشخاصاً آخرين لسلوك ذات الطريق مما يعود بالنفع على المجتمع بأكمله.

إطالة مدة الحياة:

يمكن للقلق والتوتر أن تؤثر على حياتك وصحة جسدك ولكن عندما تقوم بمساعدة الآخرين فإنّك تُصبح أكثر قدرةً على التعامل مع التوتر والقلق وهذا يمكن أن يُقلل من مدى إصابتك بالأمراض.

الشعور بالتجدد وتخطي الأزمات:

عندما تقع في أزمةٍ معينة أو عندما تواجه مصيبة ستجد نفسك غارقاً في الحزن ولن تشعر وكأنك نفس الشخص الذي تكون عليه عندما تكون سعيداً، التكافل الاجتماعي ومساعدة الآخرين يمكن أن يُساعدك على تخطي الأمر واستعادة طبيعتك الحقيقية.

تعزيز الثقة بالنفس:

مساعدتك للآخرين ودعمهم ستعود عليك بالفائدة وتجعلك أكثر ثقة بنفسك وهو ما أكدته العديد من الدراسات.

وسائل تحقيق التكافل افي الإسلام :

يوجد العديد من الطرق التي تُساعد على تحقيق التكافل المادي والاجتماعي ومن أهم هذه الوسائل:

الزكاة: أمر الله المسلمين المقتدرين بإخراج جزءٍ من أموالهم وتقديمها لمستحقيها من المحتاجين، ويُعتبر تقديم الزكاة من أهم العبادات ووسائل التكافل الاجتماعي على حدٍ سواء، فهو يُساعد على توفير الدعم المادي للفقراء ولا يترك الحقد يتسلل إلى قلوبهم.

النذور: من الشائع أن ينذر المسلمون بعض المال للفقراء ومن الواجب على المسلم أن يفي بما ينذره لقول الله "ليوفوا نذورهم".

الكفارات: يمكن أن يقوم الشخص بدفع مقدارٍ معين من المال للفقراء والمساكين تكفيراً عن ارتكابه لبعض الذنوب أو تقصيره في بعض العبادات، يمكن أن تكون الكفارة طعاماً أو مالاً بقدرٍ معين.

الأضاحي: من الشائع أن يقوم المقتدرون بذبح الأضاحي في الأعياد وتوزيع لحومها على الفقراء، هذه الأضاحي يمكن أن تكون مساعدةً للكثير من العوائل غير القادرة على شراء اللحوم.

الأعمال التطوعية: تقوم الكثير من الجمعيات ببعض الأعمال التطوعية المجتمعية والتي تتضمن أشكالاً مختلفةً من الخدمات للمحتاجين أو للمجتمع.

الإعارة: وهي أن تسمح لشخصٍ ما باستخدام أغراضك أو أغراضٍ معينة مجاناً بشرط إعادتها إليك لاحقاً.

بناء المدارس وتعليم الفقراء:

يمكن للبعض التبرع لتمويل وبناء المدارس كما يمكن للبعض التبرع ببعض علومهم للآخرين، واليوم يمكن أن نرى الكثير من المنصات التعليمية تنشر بين الحين والآخر بعض الدروس بشكل مجاني كي يستفيد منها الجميع.

مع العمل على تحقيق التكافل الاجتماعي يمكن لنا تحسين مجتمعاتنا من النواحي المادية والاجتماعية والأخلاقية وبناء مجتمعٍ ثابت البنيان لا يمكن اختراقه. هذا الأمر سيقود في المستقبل إلى نمو البلاد وتطورها لتصبح من القوى العظمى ويجعل من أفرادها أمثلةً يُحتذى بها دوماً.

صور مشرقة للتكافل في الإسلام:

التكافل الاجتماعي في الإسلام يجعل كفالة الحق في ضمير الفرد، وضمير الجماعة، ولذا فإن الإسلام يضع التضامن الإنساني في منزلة رفيعة، تبدا صورة هذا التضامن منذ أن يخلق الإنسان بين أبوين فيلتزمان برعايته وتكوينه، وينشأ هو على برهما وحبهما ثم يحسن إليهما في كبره، وكذلك الأقارب لهم حق البر بعضهم على بعض، ومثل ذلك الجار مع الجار والصديق مع الصديق.

والإسلام لا يحب الأنانية ولا يرضى لذويه أن يجعلوها ديدنهم وسجيتهم، وفي سبيل ذلك يعود المرء أن يكون إنسانيا في عمله، أو نية يضمرها، ويعلن إليه دائما أن أفضل بر يقدمه أو معروف يبذله هو هذا الذي يعود على الجماعة وتؤول فائدته إلى الأمة.

لقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم أروع الأمثلة في كفالته لأصحابه ..

 فها هي قصته مع جابر بن عبد الله رضي الله عنه الصحابي الجليل ..

قتل أبوه في معركة أحد ، وخلف عنده سبع أخوات ليس لهن عائل غيره ، وخلف ديناً كثيراً ، على ظهر هذا الشاب الذي لا يزال في أول شبابه ، فكان جابر دائماً ساهم الفكر ، منشغل البال بأمر دَينه وأخواته ، والغرماء يطالبونه صباحاً ومساءً ، خرج جابر مع النبي  صلى الله عليه وسلم  في غزوة ذات الرقاع ، وكان لشدة فقره على جمل كليل ضعيف ما يكاد يسير، ولم يجد جابر ما يشتري به جملاً .. فسبقه الناس وصار هو في آخر القافلة ، وكان النبي  صلى الله عليه وسلم  يسير في آخر الجيش ، فأدرك جابراً وجمله يدبُّ به دبيباً ،والناس قد سبقوه ، فقال النبي  صلى الله عليه وسلم  : مالك يا جابر ؟

قال : يا رسول الله أبطأ بي جملي هذا ..فقال النبي  صلى الله عليه وسلم  : أنخه ، فأناخه جابر وأناخ النبي  صلى الله عليه وسلم  ناقته ، ثم قال : أعطني العصا من يدك أو اقطع لي عصا من شجرة ..فناوله جابر العصا ، برَكَ الجمل على الأرض كليلاً ضعيفاً ..فأقبل  صلى الله عليه وسلم  إلى الجمل وضربه بالعصا شيئاً يسيراً .. فنهض الجمل يجري قد امتلأ نشاطاً فتعلق به جابر وركب على ظهره ، مشى جابر بجانب النبي  صلى الله عليه وسلم  ،  فرحاً مستبشراً ، وقد صار جمله نشيطاً سابقاً .. التفت  صلى الله عليه وسلم  إلى جابر ، وأراد أن يتحدث معه ..فما هي الأحاديث التي اختارها النبي  صلى الله عليه وسلم  ليثيرها مع جابر.

جابر كان شاباً في أول شبابه ، هموم الشباب في الغالب تدور حول الزواج .. وطلب الرزق ..قال  صلى الله عليه وسلم  : يا جابر هل تزوجت ..؟

قال جابر : نعم .. قال : بكراً .. أم ثيباً ..قال : بل ثيباً .. فعجب النبي  صلى الله عليه وسلم  كيف أن شاباً بكراً في أول زواج له .. يتزوج ثيباً ..فقال ملاطفاً لجابر : هلا بكراً تلاعبها وتلاعبك ..فقال جابر : يا رسول الله .. إن أبي قتل في أحد .. وترك تسع أخوات ليس لهن راعٍ غيري .. فكرهت أن أتزوج فتاة مثلهن فتكثر بينهن الخلافات .. فتزوجت امرأة أكبر منهن لتكون مثل أمهن .. هذا معنى كلام جابر ..رأى النبي  صلى الله عليه وسلم  أن أمامه شاب ضحى بمتعته الخاصة لأجل أخواته ..فأراد  صلى الله عليه وسلم  أن يمازحه بكلمات تصلح للشباب فقال له :لعلنا إذا أقبلنا إلى المدينة أن ننزل في صرار. فتسمع بنا زوجتك فتفرش لك النمارق يعني وإن كنت تزوجت ثيباً إلا أنها لا تزال عروساً تفرح بك إذا قدمت وتبسط فراشها .. وتصف عليه الوسائد .. فتذكر جابر فقره وفقر أخواته .. فقال : نمارق !! والله يا رسول الله ما عندنا نمارق ..فقال  صلى الله عليه وسلم  : إنه ستكون لكم نمارق إن شاء الله ..ثم مشيا .. فأراد  صلى الله عليه وسلم  أن يهب لجابر مالاً فالفت إليه وقال : يا جابر ..قال : لبيك يا رسول الله ..فقال : أتبيعني جملك ؟تفكر جابر فإذا جمله هو رأس ماله .. هكذا كان وهو كليل ضعيف .. فكيف وقد صار قوياً جلداً !!

لكنه رأى أنه لا مجال لرد طلب رسول الله  صلى الله عليه وسلم  ..قال جابر : سُمْه يا رسول الله .. بكم ؟فقال  صلى الله عليه وسلم  : بدرهم !!قال جابر : درهم !! تغبنني يا رسول الله ..فقال  صلى الله عليه وسلم  : بدرهمين ..قال : لا .. تغبنني يا رسول الله فما زالا يتزايدان حتى بلغا به أربعين درهماً .. أوقية من ذهب ..فقال جابر : نعم .. ولكن أشترط عليك أن أبقى عليه إلى المدينة ..قال  صلى الله عليه وسلم  : نعم ..فلما وصلوا إلى المدينة .. مضى جابر إلى منزله وأنزل متاعه من على الجمل ومضى ليصلي مع النبي  صلى الله عليه وسلم  وربط الجمل عند المسجد فما خرج النبي  صلى الله عليه وسلم  قال جابر : يا رسول الله هذا جملك ..فقال  صلى الله عليه وسلم  : يا بلال .. أعط جابراً أربعين درهماً وزده ..فناول بلال جابراً أربعين درهماً وزاده .. فحمل جابر المال ومضى به يقلبه بين يديه .. متفكراً في حاله !! ماذا يفعل بهذا المال ؟! أيشتري به جملاً .. أم يبتاع به متاعاً لبيته .. أم ..وفجأة الت فت رسول الله  صلى الله عليه وسلم  إلى بلال وقال : يا بلال .. خذ المال وأعطه جابراً جبذ بلال الجمل ومضى به إلى جابر .. فلما وصل به إليه .. تعجب جابر .. هل ألغيت الصفقة ؟!قال بلال : خذ الجمل يا جابر ..قال جابر : ما الخبر !!.. قال بلال : قد أمرني رسول الله  صلى الله عليه وسلم  أن أعطيك الجمل .. والمال ..فرجع جابر إلى رسول الله  صلى الله عليه وسلم  وسأله عن الخبر .. أما تريد الجمل !!فقال  صلى الله عليه وسلم  : أتراني ماكستك لآخذ جملك .. يعني أنا لم أكن أطالبك بخفض السعر لأجل أن آخذ الجمل وإنما لأجل أن أقدر كم أعطيك من المال معونة لك على أمورك .

موقف الصحابة أوقات الأزمات

ـ قد حدث قحط في عهد سيدنا أبي بكر، وكان أن قدمت لسيدنا عثمان ألف راحلة برا وطعما، فجاءه التجار ليشتروا ما عنده ثم يبيعونه على الناس، فقال: كم تربحونني ؟

 قالوا : العشرة اثني عشر، قال : لقد زادوني ، فقالوا : العشرة خمسة عشر، قال : لقد زادوني، قالوا : من زادك ونحن تجار المدينة؟

قال : لقد زادني الله لكل درهم عشرة، وتلا قوله تعالى : «من جاء بالحسنة فله عشرة أمثالها».

وأشهدهم رضي الله عنه على أنها كلها صدقة على فقراء المدينة.

ـ وقد حدث في عهد سيدنا عمر قحط أيضا لأهل الحجاز فأرسل إلى ولاته بالأنصار ليعينوه في تلك الضائقة فتسابقت الأقطار الإسلامية في الاستجابة إليه.

ـ وقد أهديت لعبادة بن الصامت هدية ومعه في الدار اثنا عشر من أهل بيته فقال ، اذهبوا بهذه الهدية إلى آل فلان فهما أحوج إليها منا، فذهب بها الوليد بن عبادة، فكان كلما جاء أهل بيت قالوا : اذهب بها إلى آل فلان فهم أحوج منا إليها حتى رجعت الهدية إلى عبادة.

كان هذا من جماعة المسلمين ، مظهرا واضحا من مظاهر التعاون الإسلامي والتضامن الإنساني، ولهذا مظاهر التعاون الإسلامي ، والتضامن الإنساني، ولهذا تغلبوا على ما صادقهم من أزمات وضائقات، وحل الرخاء محل الجدب بفضل ذلك التعاون وذلك الإيثار.

 

ليست هناك تعليقات:

المشاركة المميزة

التكافل في الإسلام

الحمد لله رب العالمين .. أكد على مبدأ الولاية المتبادلة بين المؤمنين في المجتمع وجعله من موجبات رحمته تعالى فقال تعالى } وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ و...