واشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له .. لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً لوجهه الكريم .أعد لعباده الأخفياء الأجر العظيم والثواب الأكبر، فقال تعالى:
} تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمۡ عَنِ ٱلۡمَضَاجِعِ يَدۡعُونَ رَبَّهُمۡ خَوۡفٗا وَطَمَعٗا وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ (16) فَلَا تَعۡلَمُ نَفۡسٞ مَّآ أُخۡفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعۡيُنٖ جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ (17){ ]السجدة[
واشهد أن سيدنا محمداً رسول الله (ﷺ).. ربي الأمة على عبادة السر لذلك لما سئل عن الإحسان قالَ: }أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَرَاهُ، فإنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فإنَّه يَرَاكَ{ ] البخاري[
فاللهم صل علي سيدنا محمد وعلي آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلي يوم الدين.
أما بعـد : فيا أيها المؤمنون
إن العمل الصالح ميدانه واسع وذلك لسعة فضل الله تبارك وتعالى ورحمته على عباده ، حيث شرع لهم أقوالاً وأعمالاً يتقربون بها إليه عز وجل، وهذه الأعمال فيها ما هو مُشاهد للآخرين كالصلوات الخمس وأعمال المناسك والدعوة إلى الله، ومنها ما هو خفي بين العبد وربه لا يعلم به إلا الله عز وجل ، فهو من خفايا الأعمال ، وهذا ما يسمى بالخبيئة، فإن يوم القيامة تُبلَى فيه السرائر وتكشف فيه الحقائق، قال تعالى:} يَوۡمَ تُبۡلَى ٱلسَّرَآئِرُ (9) { ]الطارق[
وما أحوجنا في زمن كثرت فيه وسائل التصوير والرياء والظهور إلى أن نؤصل في أنفسنا ثقافة الخفاء مع الله عز وجل.
فكان السلف يحرصون على إخفاء حسناتهم كما يحرص الناس على إخفاء سيئاتهم. فبتلك الخبيئة يفرج الله الكروب، وتنقشع الشدائد، ويكون الظل الحصين يوم اشتداد الحر والعطش. لذلك موضوعنا عن }الخبيئة { وذلك من خلال هذه العناصر الرئيسية التالية ..
1ـ حقيقية الخبيئة.
2ـ ذم الشهرة والتحذير من الرياء.
3ـ أهمية الخبيئة للمسلم.
4ـ أهم مجالات الخبيئة الصالحة المعينة على الثبات على الدين.
5ـ فضل الخبيئة الصالحة.
6ـ نماذج رائعة للأتقياء الأخفياء.
7ـ الخبيئة السيئة وخطرها:
8ـ العوامل المعينة على الخبيئة الصالحة، وكيفية التخلص من الخبيئة السيئة.
9ـ جدول عملي لبناء خبيئة صالحة ،والتخلص من الخبيئة السيئة:.
10ـ الخاتمة.
العنصر الأول : حقيقية الخبيئة :
كلمة (خبيئة) في المعجم هي: جمع لكلمة (خبايا)، وهي مؤنث لكلمة (خَبيء)، وتعني الشيء المستور أو المخفي.
والعمل الخفي إما أن يكون عملاً صالحاً ويسمى خبيئة صالحة، وإما أن يكون عملا فاسداً وتكون خبيئة فاسدة ، ولكن كلمة خبيئة غالباً ما تطلق على العمل الصالح الخفي .
فالخبيئة: هي عبادة السرّ والخفاء التي يؤدّيها العبد في خلوته بينه وبين ربّه جلّ وعلا.
وهي زادٌ للإنسان في آخرته، ولا تكون إلّا من العبد الذي فاض حبّ الله عزّ وجلّ في قلبه، حتى وصل إلى مرحلة إنكار نفسه وإخفاء عمله، ويبتغي العبد من الخبيئة التجرّد إلى الله سبحانه ليُقبل عمله.
وهي كنز من كنوز الحسنات، وهي أن يجعل العبد بينه وبين الله تعالى طاعة أو عبادة من غير الفريضة، أو عملاً صالحاً لا يطلع عليه أحد حتى أهله، إلى أن يلقى الله.
رغّب فيها الإسلام لتكون للمؤمن فرجاً عند الكربات، وطوقاً للنجاة من النيران، وغرساً طيباً في فسيح الجنان.
وقد حثنا عليها النبي الكريم (ﷺ) فعن الزبير بن العوام رضي الله عنه قال : قال رسول الله (ﷺ) :}من استطاع منكم أن يكونَ له خَبيءٌ [خَبءٌ] من عملٍ صالحٍ فلْيفْعلْ]{صحيح الجامع[ أي عمل صالح مخفي لا يعلم به أحد إلا الله.
قال الزبير بن العوام رضي الله عنه قال: "اجعلوا لكم خبيئة من العمل الصالح كما أن لكم خبيئة من العمل السيئ".
والخبيئة من العمل الصالح هو العمل الصالح المختبئ يعني المختفي, والزبير رضي الله عنه هنا ينبهنا إلى أمر نغفل عنه وهو المعادلة بين الأفعال رجاء المغفرة؛ فلكل إنسان عمل سيئ يفعله في السر, فأولى له أن يكون له عمل صالح يفعله في السر أيضًا لعله أن يغفر له الآخر.
العنصر الثاني: ذم الشهرة والتحذير من الرياء:
لقد حذر النبي (ﷺ) بشدة من حب الظهور والرياء، ووصفه بأنه أخوف ما يخاف على الأمة لما فيه من إحباط للأجر، وهدر للوقت والجهد ، وقد حذر النبي (ﷺ) من الرياء فوصفه بالشرك الأصغر..
ـ الرياء هو الشرك الأصغر:
الرِّياء بالأعمال هو الشرك الأصغر قال الله تبارك :} فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا(110){ [الكهف ]؛
أي: لا يُرائي بعمله أحدًا ما دام أنَّه يريد لقاءَ ربه جلَّ وعلا .
وقال:}وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (23){ [الفرقان]؛ أي: الأعمال التي قُصِد بها غير الله تعالى بطَل ثوابُها، وصارتْ كالهباء المنثور.
وقال رسول الله (ﷺ): } إنَّ أخْوَفَ ما أخافُ عليكم الشِّركُ الأصْغَرُ، قالوا: وما الشِّركُ الأصْغَرُ يا رسولَ اللهِ؟ قال: الرِّياءُ؛ يقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ لهم يومَ القِيامةِ إذا جُزِيَ الناسُ بأعمالِهم: اذْهَبوا إلى الذين كنتُم تُراؤون في الدُّنيا، فانظُروا هل تَجِدون عِندَهُم جزاءً؟!{ ] أخرجه أحمد[
ولو لم يكنْ في الرِّياء إلا إحباط عِبادة واحدة، لكفَى في شؤمه وضررِه، فقد يحتاج الإنسانُ في الآخرة إلى عبادة تُرجِّح بها كِفَّة حسناته، وإلا ذُهِب به إلى النار، يقول الله -تبارك وتعالى : }مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ (15) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(16){ [هود].
ـ أصحاب الشهرة وحب الظهور أول من تسعر بهم النار يوم القيامة:
ثبت في الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله (ﷺ) يقول: }إن أول الناس يُقضى يوم القيامة عليه رجلٌ استشهد فأُتيَ به فعرَّفه نعمَه فعرفها، قال فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، قال كذبت، ولكنك قاتلت لأن يقال هو جريء، وقد قيل، ثم أمر به فسُحبَ على وجهه حتى ألقي في النار، ورجلٌ تعلَّم العلم وعلَّمه وقرأ القرآن فأتي به فعرَّفه نعمَه فعرفها، قال فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن، قال كذبت، ولكنك تعلمت ليقال عالم وقرأت القرآن ليقال هو قارئ، فقد قيل ثم أمر به فسُحبَ على وجهه حتى ألقي في النار، ورجلٌ وسع الله عليه وأعطاه من أصناف المال فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال فما عملت فيها؟ قال: ما تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك، قال كذبت، ولكنك فعلت ليقال هو جواد، فقد قيل ثم أمر به فسُحبَ على وجهه ثم ألقي في النار { ]رواه مسلم[.
ـ حب السمعة والشهرة عقوبتهم الفضيحة في الدنيا والآخرة:
عن جندب بن عبدالله رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ﷺ):}من سمَّع سمَّع الله به، ومن يرائي يرائي الله به{ ]متفق عليه[
ـ أصحاب الشهرة وحب الظهور ترد أعمالهم ولا تقبل منهم :
في الحديث القدسي عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال رسول الله (ﷺ) قال الله تعالى: }أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ{ ] أخرجه مسلم[
وعن أبي أُمامة قال: جاء رجلٌ إلى النبي (ﷺ) فقال: أرأيت رجلاً غزا يلتمس الأجْر والذِّكْر ما له؟ فقال رسولُ الله (ﷺ):(لا شيءَ له)، ثم قال رسولُ الله (ﷺ): }إنَّ الله لا يقبل من العمل إلاَّ ما كان خالصًا، وابتُغي به وجهُه{[ أخرجه النسائي]،
قال بعضُ الحُكماء: "مثَل مَن يعمل رياءً وسُمعة، كمثَل مَن ملأ كيسَه حصًى، ثم دخَل السوق؛ ليشتريَ به، فإذا فتَحَه بين يدي البائع افتضح، وضرَب به وجهه، فلم يحصل له به منفعةٌ سوى قولِ الناس: ما أملأَ كيسه، ولا يُعطَى به شيء، فكذلك مَن عمِل للرياء والسُّمعة، لا منفعةَ له في عمله سوى مقالة الناس، ولا ثوابَ له في الآخرة".
لذك كان السلف الصالح يخافون من الشهرة وحب الظهور، قال عبد الرحمن بن أبي ليلى: "أدركت مائة وعشرين من الأنصار من أصحاب رسول الله (ﷺ)، ما منهم رجل يُسأل عن حديث أو فتيا إلا ودّ أن أخاه كفاه ذلك".
وكان إبراهيم النخعي إذا جلس إليه أكثر من أربعة أفراد قام وترك المجلس كراهية الشهرة والالتفاف حوله.
العنصر الثالث : أهمية الخبيئة الصالحة للمسلم:
للخبيئة الصالحة أهمية كبيرة في حياة المسم فهي:
1ـ دليل على صدق الايمان:
فلا يتقرب إلى الله في السر إلا رجل يوقن أن الله يعلم سره ونجواه ، وما أعلنه
وما أخفاه ، ولا يشغله أبدا إطلاع الناس على عمله ،هو شخص يدرك تمامًا أن الله تعالى يعلم ما في نفسه، فيقوم بالتضرع إليه مما يؤدي به إلى الوصول إلى أعلى مستويات الإحسان، وهي كما قال النبي (ﷺ) لما سئل عن الإحسان قالَ: }أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَرَاهُ، فإنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فإنَّه يَرَاكَ{ ] البخاري[
وعمل السر دليل الصدق: قال أيوب السختياني: "والله ما صدق عبد إلا سرَّه ألا يُشعر بمكانه".
وقال الحارث المحاسبي: الصادق هو الذي لا يبالي لو خرج كل قدر له في قلوب الخلق من أجل صلاح قلبه, ولا يحب اطلاع الناس على مثاقيل الذر من حسن عمله.
2ـ البراءة من النفاق الرياء:
من أسباب تجنب الرياء في العبادات، هو أدائها في الخفاء، فالعبادات الخفية تسهل الوصول إلى الخشوع وأن تكون خالصة لوجه الله، والعبادات الخفية هي كل طاعة تفعل في السر ،لا يطلع عليها إلا الله تعالى.
والعبادة الخالصة لوجه الله تحتاج إلى تعب وعناء ومجاهدة النفس ، لا رياء فيها
ولا نفاق، ففي مسند الإِمَام أَحمَد، قال رَسُول اللهِ (ﷺ):}إِنَّ أَخوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيكُمُ الشِّركُ الأَصغَرُ)، قَالُوا: وَمَا الشِّركُ الأَصغَرُ يَا رَسُولَ اللهِ؟! قَالَ: (الرِّيَاءُ، يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ إِذَا جَزَى النَّاسَ بِأَعمَالِهِم: اِذهَبُوا إِلى الَّذِينَ كُنتُم تُرَاؤُونَ في الدُّنيَا، فَانظُرُوا هَل تَجِدُونَ عِندَهُم جَزَاءً{
فالخبيئة تدل على صدق المؤمن وابتعاده التام عن الرياء والنفاق، فالمرائي إنما يعمل ليراه الناس، ويحسن ليمدحوه أو يحمدوه، فهم يتخفون عن أعين المخلوقين.
وقد سأل رجلٌ حذيفة بن اليمان: هل أنا من المنافقين؟ قال: أتصلي إذا خلوت، وتستغفر إذا أذنبت ؟ قال: نعم . قال: اذهب فما جعلك الله منافقا.
وقد ثبت ذلك في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، كما جاء في قوله تعالى:} إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا )142){ ]النساء[
والخبيئة الصالحة من أشد الأعمال على الشيطان، فالشيطان لا يزال بالعبد، حتى ينقل عمله من السر إلى العلانية، ومن الإخلاص إلى الشرك والرياء، والعجب والشهرة ، ذلك لأن أعمال السر هي أشد أعمال على الشيطان, وأبعد أعمال عن مخالطة الرياء والعجب والشهرة.
ومن يشكو من الرياء فغالبا لأن عبادته في السر قليلة أو معدومة.
3ـ وسيلة لصلاح القلب واستقامته وطهارته من سواده وبوائقه :
قال بعض الصالحين : "من أكثر عبادة السر أصلح الله له قلبه شاء العبد أم أبى".
وقال آخر: "من اشتكى ضعفا أي في إيمانه، فخلوته بربه نادرة"؛ لذا كان زاد النبي (ﷺ) خلوة الليل: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمُزَّمِّلُ (1) قُمِ ٱلَّيۡلَ إِلَّا قَلِيلٗا (2) نِّصۡفَهُۥٓ أَوِ ٱنقُصۡ مِنۡهُ قَلِيلًا (3) أَوۡ زِدۡ عَلَيۡهِ وَرَتِّلِ ٱلۡقُرۡءَانَ تَرۡتِيلًا (4)} ]المزمل[
4ـ من أسباب الثبات على الحق:
قال الله تعالى }يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ((27){ ] إبراهيم[
وفي الصحيحين، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ﷺ):}وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ، فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ{.
من أكبر أسباب القوة في ترك الشهوات والشعور بلذة العبادات، ونور الوجه والقلب، وانشراح الصدر، والتوفيق في القول والعمل، والثبات على الدين.
قال ابن القيم رحمه الله: "الذنوب الخفيات أسباب الانتكاسات، وعبادة الخفاء أصل الثبات".
قال الشيخ الطريفي " فكلما زاد خفاء الطاعات كلما زاد ثباتك، كالوتد المنصوب يثبت ظاهره بقدر خفاء أسفله في الأرض، فيقتلع الوتد العظيم، ويعجز عن قلع
الصغير.. والسر فيما خفي. "
وجُلُّ المنتكسين عن طريق الحق أصحاب ظواهر صالحة لكنهم أصحاب ذنوب خفية يبارزون بها العليم الخبير ويستخفون بها من العبد الحقير، وقد قيل: "إن من أسباب الثبات: طاعة الخلوات فيما بينك وبين الله، والمحاسبة فيما بينك وبين نفسك، والصحبة الصالحة فيما بينك وبين الناس".
فالخبيئة الصالحة من أهم أسباب الثبات على الدين، ولما لا؟
فهي أكثر أجراً وأعظم أثراً، ولأنها مشبعة بالإخلاص، مجبولة بالصدق ، محصنة بالكتمان.
العنصر الرابع: أهم مجالات الخبيئة الصالحة المعينة على الثبات على الدين:
قد عزى الإمام الذهبي إلى إبراهيم الحَرْبي قوله: كانوا يستحبّون أن يكون للرجل خبيئة من عمل صالح لا تعلم به زوجتُه ولا غيرها.
قال سفيان بن عيينة: قال أبو حازم: "اكتم حسناتك أشد مما تكتم سيئاتك".
ومن أمثلة خبايا الأعمال والأقوال ما يلي:
1ـ صلاة الليل والنوافل:
حيث يقوم العبد في ظلمة الليل لا يعلم به إلا الله عز وجل، فيغلق عليه باب غرفته، ويقف أمام الله تبارك وتعالى قائماً وساجدًا وراكعًا داعيا ومبتهلا، فهو في عبادة سر بينه وبين الله عز وجل، فما أسعده وأشرح صدره وأزكى نفسه، حيث خلا بالله عز وجل، في حين أن الكثيرين على فرشهم أو في لهوهم.
لِلَّهِ قَومٌ أخلصُوا في حُبّهِ .. فأحبَّهُم واختَارهُم خُدَّاما
قَومٌ إِذَا جَنَّ الظَّلَامُ عَلَيْهِم .. قَامُوا هُنالكَ سُجَّدًا وَقِيَاما
يَتَلذَّذون بِذكرهِ فِي لَيلِهم .. ونَهارِهم لَا يَبرَحُونَ صِيَاما
فصلاة الليل أفضل من صلاة النهار: {إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا(6)} ]المزمل[
وقال تعالى{وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَىٰ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (79)} ]الإسراء[
وفي الحديث: }أقرب ما يكون العبد من ربه في جوف الليل الآخر{ ]رواه الترمذي[
، ولذا قال عبد الله بين عمرو بن العاص رضي الله عنه : "لأن أصلي ركعة بالليل أحب إلي من أن أصلي عشرا بالنهار".
كان التابعي حسان بن أبي سنان ينام مع زوجته على فراش واحد، فإذا نامت زوجته وسكنت، انسل من فراشه بهدوء، ثم قام يصلي ويبكي في خفاء وجوف الليل، حتى لا تشعر به زوجته ولا يفسد إخلاصه ، فإذا كان عند الصبح رفع صوته كأنه قام تلك الساعة.
وكان أيوب السختياني يقوم الليل كله فيخفي ذلك, فإذا كان عند الصبح رفع صوته كأنه قام تلك الساعة.
وكان ابن سيرين يضحك بالنهار, فإذا جن الليل فكأنه قتل أهل القرية.
ويؤكد النبي (ﷺ) على الخبيئة من العمل فيقول:}صلاة الرجل تطوعًا حيث لا يراه الناس تعدل صلاته على أعين الناس خمسًا وعشرين{[أخرجه أبو يعلى في " المسند]، لماذا؟
لأن الصلاة عندما تكون في السر وبعيدًا عن أعين الناس، تكون أخلص، وبعيدة عن الرياء والسمعة، وأرجى في القبول عند الله تعالى؛ لذلك يقول (ﷺ):}فصلوا أيها الناس في بيوتكم؛ فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة{[صحيح البخاري].
يعني: صلاة الضحى، صلاة الوتر، قيام الليل، سنن الرواتب، هذه إن صليتها في بيتك أو بعيدًا عن أعين الناس، فهذه أفضل لك من أن تصليها أمام الناس.
كان عبد العزيز بن أبي رواد يُفرش له فراشه ليلًا، فيمسحه بيده ويقول: «إنك للين، وإن في الجنة لألين منك»، ثم يقوم إلى صلاته وطاعته في الليل دون أن يشعر به أحد.
وكان عمرو بن عتبة يخرج في الليل ليحرس خيل أصحابه في الغزو، فإذا ناموا قام يصلي في الغابة ويستتر بالأشجار حتى لا يراه أحد.
2ـ صدقة السر:
صدقة السر التي لا يطلع عليها الناس، هي من خبايا الأعمال، واستحق صاحبها أن يكون في ظل عرش الرحمن يوم لا ظل إلا ظله ، حيث قال فيها النبي (ﷺ): سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله منهم: }ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه{ ]متفق عليه[.
وثوابها عند الله تعالى عظيم وأفضل من صدقة العلانية حيث قال تعالى : {إن تبدو الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم(271)} ]البقرة [.
وهي من الأشياء التي تُطفِئُ غضب الرب سبحانه وتعالى ، فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ،عن النبي (ﷺ) قال: } صِلَةُ الرَّحِمِ تَزيدُ في العُمْرِ ، و صَدَقةُ السِّرِّ تُطفِئُ غضبَ الرَّب{ ]صحيح الجامع[
فهذا سليل آل بيت النبوة زين العابدين علي بن الحسين رضي الله عنه : فقد كان
يحمل أكياس الدقيق على ظهره بالليل ويوصلها إلى بيوت الأرامل والأيتام والفقراء، ولا يستعين بخادم ولا عبد لئلا يطّلع عليه أحد، فلما مات وغسّلوه وجدوا على ظهره آثاراً سوداء، فقالوا: هذا ظهر حمّال وما علمناه اشتغل حمّالاً! وانقطع الطعام بموته عن مائة بيت كان يأتيهم طعامهم بالليل من مجهول، فعلموا أنه هو الذي كان يحمله إليهم وينفق عليهم، وعلموا أنه كان يعول مائة بيت من أهل المدينة طوال سنوات.
3ـ الذكر والدعاء:
ما أحسن هذه العبادة وأنماها، وأفضلها وأزكاها، ما كان خفيا بين العبد ومولاه؛ قال تعالى عن سيدنا زكريا عليه السلام: { ذِكۡرُ رَحۡمَتِ رَبِّكَ عَبۡدَهُۥ زَكَرِيَّآ (2) إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُۥ نِدَآءً خَفِيّٗا (3)} ]مريم[
وقال سبحانه وتعالى: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ(55)} ]الأعراف[
وقال في نفس السورة { وَٱذۡكُر رَّبَّكَ فِي نَفۡسِكَ تَضَرُّعٗا وَخِيفَةٗ وَدُونَ ٱلۡجَهۡرِ مِنَ ٱلۡقَوۡلِ بِٱلۡغُدُوِّ وَٱلۡأٓصَالِ وَلَا تَكُن مِّنَ ٱلۡغَٰفِلِينَ (205)}،
فذكر الله تبارك وتعالى خاليا في بيتك أو سيارتك أو متجرك أو طريقك راجلاً أو راكباً ونحو ذلك، فهذا الذكر على تلك الحال لا يعلم به إلا الله عز وجل، فهو خبيئة عمل يرجو برها وذخرها، وما أيسرها وأسهلها على الموفقين، وما أعسرها على المحرومين، ومن ثم استحق هذا الشخص أن يكون في ظل عرش الرحمن يوم لا ظل إلا ظله ، كما أخبر النبي (ﷺ) في حديث سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله منهم، } ورجلٌ ذَكَرَ اللهَ خاليًا ففاضتْ عيناهُ{ ]رواه البخاري[
لذلك امتدحهم الله تعالى فقال تعالى: {والمستغفرين بالأسحار(17)} ]آل عمران[
وفي السحر أكثر الناس نائمون ، وأهل الله قائمون لا يراهم أحد، أو يسمعهم أحد إلا الله جل جلاله..
إن الله يعلم القلب النقي، ويسمع الصوت الخفي؛ فإذا ما قلت يارب، فإما أن يلبي لك النداء، أو يدفع عنك البلاء، أو يكتب لك أجرا في الخفاء..
ويقول الحسن البصري: }إنْ كان الرجل ليجلس المجلس فتجيئه عَبرَتُه فيردّها، فإذا خشي أن تسبقه قام{.
وعن عمران بن خالد قال: سمعت محمد بن واسع يقول: إن كان الرجل ليبكي
عشرين سنة وامرأته معه لا تعلم به !
وعن يوسف بن عطية عن محمد بن واسع قال: لقد أدركت رجالاً كان الرجل يكون رأسه مع رأس امرأته على وسادة واحدة، قد بل ما تحت خده من دموعه, لا تشعر به امرأته, ولقد أدركت رجالاً يقوم أحدهم في الصف فتسيل دموعه على خده ولا يشعر به الذي إلى جنبه.
فما أروع أن تختلي بربك في خفية عن أعين الناس وأسماعهم وستجد ما يسرك.
4ـ التأمل في خلق الله تعالى:
التأمل في الكون هو عبادة قلبية صامتة تقود إلى زيادة اليقين، وتعميق الإيمان،
وتعظيم الخالق.
إنها عبادة خفية لا تحتاج إلى حركة لسان، بل يمتلئ بها القلب إجلالاً لله.
كانت عبادة التفكر قربة عظيمة للنبي محمد (ﷺ( قبل البعثة في غار حراء.
دعا القرآن الكريم إلى النظر في الكون وسننه في آيات عديدة لأولي الألباب.
قال تعالى :}إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ(190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ(191){ [آل عمران]
يدرك المتأمل ضعفه وعظمة ربه، فيزداد قلبه تعلقاً بالله وخشية منه.
فهذه العبادة من العبادات الخفية التي يحبها الله عز وجل.
5ـ المعايشة لكتاب الله عز وجل:
من الأعمال الخفية أن يقرأ العبد آية من كتاب الله تعالى فيخشع قلبه وتدمع عينه خوفاً ورجاء من الله عز وجل، فلا يعلم أحد بتلك الدمعات النازلة من عينيه إلا الله عز وجل، فهو خبيئة عمل صالح.
قام النبي (ﷺ) ليلة كاملة يردد آية واحدة ويتدبرها: "إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ
تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ".
وخشوعه (ﷺ) من سماع القرآن من عبد الله بن مسعود عندما قرأ عليه، فلما وصل لقوله: "فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا" قال: "حَسْبُكَ الآن". فنظر ابن مسعود فإذا عيناه تذرفان.
وهذا الصحابي الجليل أسيد بن حضير رضي الله عنه ، يحكي ويقول أنه كان يقرأُ من الليلِ سورةَ البقرةِ ، إذ جالتِ الفرسُ ، فسكتَ ، فسكنتْ ، فقرأَ فجالتْ ، فسكتَ فسكنتْ ، ثم قرأ ، فجالتِ الفَرَسُ ، فانصرفَ ، قال : فرفعتُ رأسي إلى السماءِ فإذا مثلُ الظُلَّةِ فيها أمثالُ المصابيحِ عَرَجَتْ حتى ما أراها ، فلمَّا أصبحَ حدَّثَ النبيَّ (ﷺ) ، قال : تلكَ الملائكةُ دَنَتْ لصوتِكَ ، ولو قرأتَ لأصبحتْ ينظرُ الناسُ إليها لا تَتَوَارَى منهم{ ] أخرجه البخاري[
6ـ صيام النوافل:
الصوم من أفضل الأعمال لأنه لا يطلع عليه إلا الرب سبحانه ،وهو من أعظم عبادات السر؛ لذا عظم الله أجره وثقل ميزانه كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي (ﷺ): }كلُّ عمَلِ ابنِ آدمَ له قال الله تعالى إلا الصيامَ فهو لِي وأنا أجزِي بِهِ{ ]متفق عليه[
صيام بعض أيام النفل كالاثنين والخميس ونحوهما، فهو صام حيث أفطر الناس ولا يعلم عنه أحد ، فما أسعده بتلك الخبيئة الصالحة بينه وبين الله عز وجل.
كان التابعي داود بن أبي هند يصوم أربعين سنة لا يعلم به أهله ولا أهل السوق.
كان يعمل خرازا ،فكان يخرج من بيته بكرة إلى سوقه ومعه غذاؤه، فيتصدق بالطعام في الطريق.
فإذا رجع إلى بيته تعشى مع أهله، فكان أهل السوق يظنون أنه أكل في البيت، وأهله يظنون أنه أكل في السوق.
7ـ مجال التأليف ونشر العلم:
الإمام الماوردي: ألف كتباً كثيرة في التفسير والفقه (منها الحاوي الكبير)، ولم يظهرها في حياته.
وضعها في مكان أمين وقال لصديق له: «إذا حضرَتني الوفاة فاجعل يدك في يدي، فإن قبضتُ عليها فاعلم أنه لم يُقبل مني شيء فخذ الكتب وألقها في البحر، وإن بسطتُ يدي فاعلم أنها قُبلت فانشرها» ، فلما مات بسط يده، فنُشرت كتبه بعد وفاته.
8ـ قضاء حوائج الناس:
قضاء الحوائج للضعفاء والأرامل والأيتام والمساكين أو قضاء الديون عن الغارمين والعاجزين، والإصلاح بين الناس في الخفاء أو غير ذلك....
فهؤلاء أصحاب رسول الله (ﷺ) يتنافسون في قضاء حاجات الناس دون أن يعلم عنهم أحد، فهذا هو الرجل الصالح المبارك أبو بكر الصديق رضي الله عنه :
كان إذا صلى الفجر خرج إلى الصحراء فاحتبس فيها شيئاً يسيراً، ثم يعود إلى المدينة، فعجب عمر رضي الله عنه من أمره فلحقه واختبأ له خلف صخرة، فدخل الصدّيق خيمة ولبث فيها قليلاً، فلما خرج دخل عمر رضي الله عنه إليها فإذا فيها امرأة ضعيفة عمياء وعندها صبية صغار، فسألها عمر: من هذا الذي يأتيكم؟ فقالت: لا أعرفه ولكنه رجل من المسلمين يأتينا كل صباح فيكنس بيتنا، ويعجن عجيننا، ويحلب شاتنا، فخرج عمر وهو يبكي ويقول: لقد أتعبت الخلفاء بعدك يا أبا بكر!
وهذا هو الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه يخرج في سواد الليل، فتبعه طلحة بن عبيد الله، فرأى عمر يدخل بيت امرأة. فلما كان الصباح ذهب طلحة إلى ذلك البيت، فإذا بعجوز عمياء مقعدة، فسألها: "ما بال هذا الرجل يأتيك؟"
فقالت: "إنه يتعاهدني منذ كذا وكذا، يأتيني بما يصلحني ويخرج عني الأذى"، فبكى طلحة وقال لنفسه: "ثكلتك أمك يا طلحة، أعثرات عمر تتبع؟".
هذه العبادات وأمثالها من عبادات السر كان السلف الصالح يعتنون بها أشد العناية لأنها عبادات الخلوات، فهي من أهم أسباب الثبات، وهذه العبادات السرية والخفية هي الوقود بإذن الله تعالى للأعمال الأخرى المتعدية الظاهرة، فإذا كان الإنسان مكثراً من هذه الأعمال في السر والخفاء فهو يرجى له أن يكون إخلاصه في الأعمال الظاهرة أقوى من غيره لأن لديه من أعمال السر ما يزيده بإذن الله تعالى إخلاصاً وقصدًا حسناً لوجه الله عز وجل.
العنصر الخامس: فضل الخبيئة الصالحة :
للخبيئة جملةٌ من الفضائل والثمرات منها ...
1ـ رصيد ينفع عند الشدائد والأزمات:
سببٌ في إعانة العبد على الثبات في المحن والشدائد، وهي رصيدٌ للعبد في وقت الأزمات.
وتظهر أهمية العمل الصالح الخفي في تفريج الكربات وقبول الدعاء كما في حديث الثلاثة نفر الذين آواهم المبيت إلى غار فانحدرت صخرة فسدت عليهم الباب، وتقطعت بهم الأسباب، فلم ينفعهم إلا التوسل إلى الله بخبايا أعمال صالحة لهم أحيطت بسياج من الإخلاص والعبودية لله عز وجل، فكانت سبباً لتفريج كُرَبهم وخروجهم من الغار.
عن أبي عَبْد الرَّحْمَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخطَّابِ، رضيَ اللهُ عنهما قَالَ: سَمِعْتُ رسولَ الله (ﷺ) يَقُولُ: }انْطَلَقَ ثَلاَثَةُ نَفَرٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَتَّى آوَاهُمُ الْمبِيتُ إِلَى غَارٍ فَدَخَلُوهُ، فانْحَدَرَتْ صَخْرةٌ مِنَ الْجبلِ فَسَدَّتْ عَلَيْهِمْ الْغَارَ، فَقَالُوا: إِنَّهُ لاَ يُنْجِيكُمْ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ إِلاَّ أَنْ تَدْعُوا الله تعالى بصالح أَعْمَالكُمْ قَالَ رجلٌ مِنهُمْ: اللَّهُمَّ كَانَ لِي أَبَوانِ شَيْخَانِ كَبِيرانِ، وكُنْتُ لاَ أَغبِقُ قبْلهَما أَهْلاً وَلا مالاً فنأَى بِي طَلَبُ الشَّجرِ يَوْماً فَلمْ أُرِحْ عَلَيْهمَا حَتَّى نَامَا فَحَلبْت لَهُمَا غبُوقَهمَا فَوَجَدْتُهُمَا نَائِميْنِ، فَكَرِهْت أَنْ أُوقظَهمَا وَأَنْ أَغْبِقَ قَبْلَهُمَا أَهْلاً أَوْ مَالاً، فَلَبِثْتُ وَالْقَدَحُ عَلَى يَدِى أَنْتَظِرُ اسْتِيقَاظَهُما حَتَّى بَرَقَ الْفَجْرُ وَالصِّبْيَةُ يَتَضاغَوْنَ عِنْدَ قَدَمي فَاسْتَيْقظَا فَشَربَا غَبُوقَهُمَا.
اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَفَرِّجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَة، فانْفَرَجَتْ شَيْئاً لا يَسْتَطيعُونَ الْخُرُوجَ مِنْهُ.
قَالَ الآخر: اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانتْ لِيَ ابْنَةُ عمٍّ كانتْ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَيَّ ، وفي رواية: كُنْتُ
أُحِبُّهَا كَأَشد مَا يُحبُّ الرِّجَالُ النِّسَاءِ، فَأَرَدْتُهَا عَلَى نَفْسهَا فَامْتَنَعَتْ مِنِّى حَتَّى أَلَمَّتْ بِهَا سَنَةٌ مِنَ السِّنِينَ فَجَاءَتْنِي فَأَعْطَيْتُهِا عِشْرينَ وَمِائَةَ دِينَارٍ عَلَى أَنْ تُخَلِّىَ بَيْنِى وَبَيْنَ نَفْسِهَا ففَعَلَت، حَتَّى إِذَا قَدَرْتُ عَلَيْهَا. وفي رواية: فَلَمَّا قَعَدْتُ بَيْنَ رِجْليْهَا، قَالتْ: اتَّقِ اللهَ وَلاَ تَفُضَّ الْخاتَمَ إِلاَّ بِحَقِّهِ، فانْصَرَفْتُ عَنْهَا وَهِىَ أَحَبُّ النَّاسِ إِليَّ وَتركْتُ الذَّهَبَ الَّذي أَعْطَيتُهَا، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعْلتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ، فانفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ غَيْرَ أَنَّهُمْ لا يَسْتَطِيعُونَ الْخُرُوجَ مِنْهَا.
وقَالَ الثَّالِثُ: اللَّهُمَّ إِنِّي اسْتَأْجَرْتُ أُجرَاءَ وَأَعْطَيْتُهمْ أَجْرَهُمْ غَيْرَ رَجُلٍ وَاحِدٍ تَرَكَ الَّذي لَّه وَذَهبَ فثمَّرت أجْرَهُ حَتَّى كثرت منه الأموال فجائني بَعدَ حِينٍ فَقالَ يَا عبدَ اللهِ أَدِّ إِلَيَّ أَجْرِي، فَقُلْتُ: كُلُّ مَا تَرَى منْ أَجْرِكَ: مِنَ الإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَم وَالرَّقِيق فقالَ: يا عَبْدَ اللَّهِ لا تَسْتهْزيْ بي، فَقُلْتُ: لاَ أَسْتَهْزيُ بِكَ، فَأَخَذَهُ كُلَّهُ فاسْتاقَهُ فَلَمْ يَتْرُكْ مِنْه شَيْئاً، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتغَاءَ وَجْهِكَ فافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ، فَانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ فخرَجُوا يَمْشُونَ{ ]متفقٌ عليه[.
وقال الله تعالى عن سيدنا يونس عليه السلام:{فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (143) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ(144)} ]الصافات[
فكما أن ذنوب الخلوات مهلكات فحسنات الخلوات منجيات.
2ـ تساعد في تخفيف الهموم والأحزان.
يقول الامام ابن القيم رحمه الله: }هل لديك خوافي مؤلمات لا يعلمهن إلا الله؟ اجعل لهن خوافي صالحات لا يعلمهن إلا الله{.
فمرضك الذي لا يعلمه إلا الله، اجعلْ له صدقةً خفية لا يعلمها إلا الله.
والهمُّ الذي يربض على صدرك ولا يعلمه إلا الله، اجعلْ له استغفارًا خفيًا لا يسمعه إلا الله.
والقلق الذي يعتريك ولا يعلمه إلا الله، اجعلْ له ركعتين في الليل لا يراهما إلا الله.
وهكذا.. اصنع مع كل خافية تؤلمك وترهقك ولا يعلم بها إلا الله، اجعل لها خوافي صالحة لا يعلمها إلا الله.
وكن واثقا بالله وبفرجه ورحمته. (فالخوافي للخوافي)
3ـ من أسباب محبة الله تعالى:
عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال : قال رسول الله (ﷺ): }إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ التَّقِيَّ الْغَنِيَّ الْخَفِيَّ{ ]رواه مسلم[.
وعن أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله (ﷺ) قال :}ثلاثةٌ يُحبُّهمُ اللهُ، وثلاثةٌ يَشنَؤُهمُ اللهُ : الرجُلُ يلْقَى العَدُوَّ في فِئَةٍ فيَنصِبُ لهُمْ نَحْرَهُ حتى يُقتَلَ أو يُفتَحَ لأصحابِهِ؛ والقوْمُ يُسافِرُونَ فيَطولُ سَراهُمْ حتى يُحِبُّوا أنْ يَمَسُّوا الأرْضَ فيَنزِلُونَ؛ فيَتنحّى أحدُهمْ فيُصلِّي حتى يُوقِظَهُمْ لِرحيلِهِمْ، والرجُلُ يَكونُ لهُ الجارُ يُؤذِيهِ جارُهُ فيَصبِرُ على أذَاهُ حتى يُفرِّقَ بينهُما موتٌ أو طَعْنٌ، والّذينَ يَشنؤُهمُ اللهُ : التَّاجِرُ الحلّافُ ، والفقيرُ المخْتالُ ؛ والبَخيلُ المنّانُ{ ] أخرجه الإمام أحمد[
4ـ العلو والسمو عند الله تعالى :
تساعد عبادة السر في مغفرة الذنوب وتحقيق علو وسمو المؤمن عند الله سبحانه وتعالى، و تُعَدُّ زينة للمؤمنين في الدنيا وزادهم في الآخرة.
وقال نعيم بن حماد: سمعت ابن المبارك يقول: ما رأيت أحدًا ارتفع مثل مالك, ليس له كثير صلاة ولا صيام إلا أن تكون له سريرة.
وكان ابن المبارك يضع اللثام على وجهه عند القتال لئلا يُعرف! قال أحمد: ما رفع الله ابنَ المبارك إلا بخبيئةٍ كانت له.
لذلك حَرصَ الصّحَابَةُ رضي الله عنهم على إخفاء أعمالهم تقرُّباً إلى الله تعالى.
فهذا بلال رضي الله عنه، قال له النبي (ﷺ):}يا بلَالُ، حَدِّثْنِي بأَرْجَى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ في الإسْلَامِ؛ فإنِّي سَمِعْتُ دَفَّ نَعْلَيْكَ بيْنَ يَدَيَّ في الجَنَّةِ. قالَ: ما عَمِلْتُ عَمَلًا أَرْجَى عِندِي: أَنِّي لَمْ أَتَطَهَّرْ طُهُورًا، في سَاعَةِ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ، إلَّا صَلَّيْتُ بذلكَ الطُّهُورِ ما كُتِبَ لي أَنْ أُصَلِّيَ{ ]رواه البخاري[.
وقد سئل الإمام الحسن البصري رحمه الله «ما بال المتهجدين بالليل من أحسن الناس وجوهاً؟»، فأجاب: «لأنهم خلوا بالرحمن فألبسهم من نوره».
لذلك لا يثبت عليها إلا المؤمنون الصالحون الذين ملأ حبُّ الله وخشيته أركان قلوبهم، فتوجهوا إليه وحده، بعيداً عن العيون والأنظار، في أجواء إيمانية صافية لا تشوبها شوائب طلَب السمعة والشهرة، أو التعلّق بالمدح والثناء أو شائبة الرياء.
5ـ من أسباب إعجاب الله عز وجل ورضائه على العبد :
عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي (ﷺ) قال: }عجِب ربُّنا مِن رجُلينِ: رجلٍ ثار عن وِطائِه ولحافِه مِن بينِ حِبِّه وأهلِه إلى صلاتِه فيقولُ اللهُ جلَّ وعلا لملائكتِه:
انظُروا إلى عبدي ثار عن فراشِه ووِطائِه مِن بينِ حِبِّه وأهلِه إلى صلاتِه رغبةً فيما عندي وشفقةً ممَّا عندي، ورجلٍ غزا في سبيلِ اللهِ فانهزَم أصحابُه وعلِم ما عليه في الانهزامِ وما له في الرُّجوعِ فرجَع حتَّى هُريقَ دمُه فيقولُ اللهُ لملائكتِه: انظُروا إلى عبدي رجَع رجاءً فيما عندي وشفقًا ممَّا عندي حتَّى هُريقَ دمُه{ ] أخرجه أبو داود[
6ـ من أسباب استبشار الله تعالى بالعبد:
عن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي (ﷺ) قال:}ثلاثةٌ يحبُّهمُ اللَّهُ ويَضحَكُ لهم ويستبشِرُ بِهِمُ : الَّذي إذا انكشَفت فئةٌ قاتلَ وراءَها بنفسِهِ للَّهِ عز وجل فإمَّا أن يُقتَلَ وإمَّا أن ينصرَهُ اللَّهُ عز وجل ويَكْفيَهُ، ويقولُ : انظُروا إلى عبدي هذا كيفَ صبرَ لي بنفسِهِ ! ؟ والَّذي لَهُ امرأةٌ حسنةٌ وفراشٌ ليِّنٌ حسنٌ فيقومُ منَ اللَّيلِ فيقولُ يذرُ شَهْوتَهُ ويذكرُني ولو شاءَ رقدَ، والَّذي إذا كانَ في سفرٍ وَكانَ معَهُ رَكْبٌ فسَهِروا ثمَّ هجَعوا فقامَ منَ السَّحرِ في ضرَّاءَ وسرَّاءَ{ ] أخرجه الطبراني[
7ـ من أسباب استجابة الدعاء:
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله (ﷺ):}رُبَّ أشعثَ أغبَرَمدفوعٍ بالأبواب، لو أقسَمَ على الله لَأَبَرَّهُ{ ]رواه مسلم[.
ومعنى الحديث: «كم مِن أشعَثَ» الأشعثُ: الذي يكونُ شَعرُ رَأسِه مُتفرِّقًا، غَيرَ مَدهونٍ.
وهذا أويس بن عامر القرني سيد التابعين: ثبت في صحيح مسلم أن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا أتى عليه أمداد أهل اليمن سألهم: أفيكم أويس بن عامر؟ حتى وجده، فقال له عمر: إنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ (ﷺ) يَقُولُ: «يَأْتِي عَلَيْكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ مَعَ أَمْدَادِ أَهْلِ الْيَمَنِ... كَانَ بِهِ بَرَصٌ فَبَرَأَ مِنْهُ إِلَّا مَوْضِعَ دِرْهَمٍ، لَهُ وَالِدَةٌ هُوَ بِهَا بَرٌّ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لَأَبَرَّهُ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ فَافْعَلْ»، فاستغفر لِعُمَر.
8ـ القبول والثناء الحسن:
إطلاق الله ألسنة الخلق بالثناء عليه، وإن كان هو لا يقصد ذلك ولا يسعى إليه، أو ربما لا يرضاه.
قال ابن الجوزي: "من أصلح سريرته فاح عبير فضله، وعبقت القلوب بنشر طيبه، فالله الله في إصلاح السرائر؛ فإنه ما ينفع مع فسادها صلاح الظاهر".
قال ابن الجوزي: " ﻭﻛﺬﻟﻚ ﻳﺨﻔﻲ ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ ﺍﻟﻄﺎﻋﺔ ﻓﺘﻈﻬﺮ ﻋﻠﻴﻪ، ﻭﻳﺘﺤﺪﺙ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﺑﻬﺎ ﻭﺑﺄﻛﺜﺮ ﻣﻨﻬﺎ، ﺣﺘﻰ ﺇﻧﻬﻢ ﻻ ﻳﻌﺮﻓﻮﻥ ﻟﻪ ﺫﻧﺒﺎ ﻭﻻ ﻳﺬﻛﺮﻭﻧﻪ ﺇﻻ ﺑﺎﻟﻤﺤﺎﺳﻦ، ﻟﻴﻌﻠﻢ ﺃﻥ ﻫﻨﺎﻟﻚ ﺭﺑﺎ ﻻ ﻳﻀﻴﻊ ﻋﻤﻞ ﻋﺎﻣﻞ ، ﻭﺇﻥ ﻗﻠﻮﺏ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﻟﺘﻌﺮﻑ ﺣﺎﻝ ﺍﻟﺸﺨﺺ ﻭﺗﺤﺒﻪ، ﺃﻭ ﺗﺄﺑﺎﻩ، ﻭﺗﺬﻣﻪ ﺃﻭ ﺗﻤﺪﺣﻪ ﻭﻓﻖ ﻣﺎ ﻳﺘﺤﻘﻖ ﺑﻴﻨﻪ ﻭﺑﻴﻦ ﺍلله ﺗﻌﺎﻟﻰ، ﻓﺈﻧﻪ ﻳﻜﻔﻴﻪ ﻛﻞ ﻫﻢ، ﻭﻳﺪﻓﻊ ﻋﻨﻪ ﻛﻞ ﺷﺮ، ﻭﻣﺎ ﺃﺻﻠﺢ ﻋﺒﺪ ﻣﺎ ﺑﻴﻨﻪ ﻭﺑﻴﻦ ﺍﻟﺨﻠﻖ ﺩﻭﻥ ﺃﻥ ﻳﻨﻈﺮ ﺍﻟﺤﻖ، ﺇﻻ ﺍﻧﻌﻜﺲ ﻣﻘﺼﻮﺩه ﻭﻋُﺪَّ ﺣﺎﻣﺪﻩ ﺫﺍﻣﺎ."] صيد الخاطر[
وقال ابن الجوزي أيضا: "لقد رأيت من يكثر الصلاة والصوم والصمت ويتخشع في نفسه ولباسه والقلوب تنبو عنه، وقدره في الناس ليس بذاك، ورأيت من يلبس فاخر الثياب وليس له كبير نفل ولا تخشع، والقلوب تتهافت على محبته؛ فتدبرت السبب فوجدته السريرة".
قال محمد بن واسع: "من أصلح سريرته أصلح الله علانيته، ومن أصلح آخرته أصلح الله له دنياه، ومن أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس".
العنصر السادس: نماذج رائعة للأتقياء الأخفياء:
لقد جسد السلف الصالح هذا الكلام النظري إلى ترجمة عملية ، حتى يستيقن العبد أن هذا الكلام سهل التنفيذ ليس بدعا وإنما في الإمكان تحقيقه بالمجاهدة وصدق النوايا، من هذه النماذج الجميلة التقية الخفية ..
1ـ صاحب النقب:
كان مسلمة بن عبد الملك على رأس جيش للمسلمين يحاصرون قلعة عظيمة للروم، ولكن القلعة استعصت على جيش المسلمين لارتفاع أسوارها ولإغلاق جميع المنافذ إليها، الأمر الذي ساعد جنود الروم، فأخذوا يقذفون جيش المسلمين من أعلاها، فازداد تعب وانهاك جنود المسلمين .
وفي الليل قام أحد جنود المسلمين بفكرة عظيمة، إذ أنه تخفى بمفرده إلى أن وصل باب القلعة وظل ينقب فيه وينقب حتى استطاع أن يُحدث به نقباً ، ثم رجع دون أن يُخبر أحداً .
وعند الغد تأهب المسلمون للقتال كعادتهم، فدخل هذا البطل من النقب، وقام بفتح الباب فتدافع المسلمون وتسلقوا أسوار القلعة، وما هي إلا لحظات حتى سمع الروم أصوات تكبيرات المسلمين على أسوار قلعتهم وداخل ساحتها فتحقق لهم النصر .
وبعد المعركة جمع القائد مسلمة بن عبدالملك الجيش، ونادى بأعلى صوته :
مَن أحدث النقب في باب القلعة فليخرج لنُكافئه، فلم يخرج أحد‼
فعاد وقالها مرة أخرى : من أحدث النقب فليخرج ..فلم يخرج أحد‼
ثم وقف من الغد وأعاد ما قاله بالأمس، فلم يخرج أحد‼
وفي اليوم الثالث، وقف وقال : أقسمتُ على من أحدث النقب أن يأتيني أي وقت يشاء من ليل أو نهار، وعند حلول الليل والقائد يجلس في خيمته، دخل عليه رجلٌ ملثم، فقال مسلمة : هل أنت صاحب النقب؟!
فقال الرجل : إنَّ صاحب النقب يريد أن يبر قسم أميره ولكن لديه ثلاثة شروط حتى يلبيَ الطلب .
فقال مسلمة : وماهي؟!
قال الرجل :
1 - أنْ لا تسأل عن اسمه.
2- ولا أن يكشف عن وجهه.
3- ولا أن تأمر له بعطاء.
فقال مسلمة : له ما طلب .
عندها قال الرجل : أنا صاحب النقب .
ثم عاد أدراجه مسرعاً واختفى بين خيام الجيش‼
فوقف مسلمة والدموع تملأ عينيه فقال :{مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} ] الأحزاب[
فكان مسلمة بعد ذلك يقول في سجوده : اللهم احشرني مع صاحب النقب .
]عيون الأخبار لابن قتيبة[
2ـ العبد الخفي مع مالك بن دينار: (يا صاحب السر إن السر قد ظهر)
ذكر الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في كتابه " صفة الصفوة " عن مالك بن دينار رحمه الله يقول: دخلت البصرة ذات يوم فوجدت الناس مجتمعين في المسجد الكبير يدعون الله من صلاة الظهر إلى صلاة العشاء لم يغادروا المسجد فقلت لهم: ما بالكم؟
فقالوا: أمسكت السماء ماءها ومنعت الأرض خيرها، ونحن ندعو الله أن يُسقينا الغيث ،فدخلت معهم فهم يصلون الظهر ويدعون ، والعصر ويدعون ، والمغرب ويدعون ، والعشاء ويدعون، ولا تمطر السماء قطرة واحدة، وخرجوا من المسجد ولم يستجاب لهم.
يقول مالك: ثم ذهب كل منهم إلى داره وقعدت في المسجد ولا دار لي، فدخل رجل أسود أفطس (أي صغير الأنف) أبجر (أي كبير البطن) عليه خرقتان، خرقة يستر بها عورته، وخرقة يضعها على عاتقه من شدة فقره، فصلى ركعتين ولم يطل ثم التفت يمينا ويسارا ليرى أحدا فلم يراني.
فرفع يديه إلى القبلة وقال: إلهي وسيدي ومولاي حبست المطر عن بلادك لتؤدّب عبادك، فإني أسألك يا حليما ذا أناة أن تسقيَهم الساعة، اللهم فاسقهم الساعة اللهم فاسقهم الساعة.
قلت: فما إن وضع يديه إلا وقد أظلمت السماء، وجاءت السحب من كل مكان فأمطرت كأفواه القِرب.
فعجبت من الرجل فخرج من المسجد فتبعته فظل يسير بين الأزقة والدروب حتى دخل دارا فما وجدت شيئا أُعلّم به الدار إلا من طين الأرض فأخذت منها وجعلت على الباب علامة، فلما طلعت الشمس تتبعت الطرق حتى وصلت إلى العلامة فإذا هو بيت لرجل نخّاس يبيع العبيد.
فقلت: يا هذا إني أريد أن أشتري عبدا.
فأراني الطويل والقصير والوجيه ، والسمين والرفيع.
فقلت: لا لا أَمَا عندَك غير هؤلاء؟
فقال النخاس: ما عندي غير هؤلاء للبيع.
يقول مالك: وأنا خارج من البيت وقد أيست، رأيت كوخا من خشب بجوار الباب فقلت: هل في هذا الكوخ من أحد؟
فقال النخاس: من فيه لا يصلح، أنت تريد أن تشتري عبدا ومن في هذا الكوخ لا يصلح.
فقلت: أراه. فأخرجه لي فلما رأيته عرفته.
فإذا هو الرجل الذي كان يصلي بالمسجد البارحة.
فقلت للنخاس: أشتريه.
فأجابني لعلك تقول غشّني الرجل، فهذا لا ينفع في شيء، هذا لا يصلح في شيء.
فقلت: أشتريه ، فزهد في ثمنه وأعطاني إياه.
فلما استقر بي المقام في بيتي رفع العبد رأسه إليّ وقال: يا سيدي لم اشتريتني؟
إن كنت تريد القوة فهناك من هو أقوى مني، وإن كنت تريد الوجاهة فهناك من هو أبهى مني، وإن كنت تريد الصنعة فهناك من هو أحرف مني فلم اشتريتني؟
قلت: يا هذا بالأمس كان الناس في المسجد وظلت البصرة كلها تدعو الله من الظهر إلى ما بعد العشاء ولم يستجب لهم، وما إن دخلت أنت ورفعت يديك إلى السماء ودعوت الله حتى استجاب الله لك وحقق لك ما تريد.
فقال العبد: لعله غيري؟ وما يدريك أنت لعله رجل آخر؟
فقلت: بل هو أنت.
فقال العبد: أعرفتني؟
فقلت: نعم.
فقال: أتيقنتني؟
فقلت: نعم.
فيقول مالك فوالله ما التفت إليّ بعدها إنما خرّ لله ساجدا فأطال السجود فانحنيت عليه فسمعته يقول: يا صاحب السر إن السر قد ظهر ،فلا أطيق العيش على الأرض بعدما اشتهر ففاضت روحه إلى بارئها". انتهت القصة.
هؤلاء هم الأتقياء الأنقياء الأخفياء، هؤلاء هم الذين رفع الله شأنهم في الدنيا قبل الآخرة، هؤلاء هم الذين قال فيهم القائل:
العنصر السابع: الخبيئة السيئة وخطرها :
الخبيئة السيئة: هي العمل الخفي أو الذنب الباطن الذي يستتر به العبد عن الناس ويخفيه في سريرته، وهو يقابل مفهوم "الخبيئة الصالحة" من أعمال السر.
وكان السلف على حذر شديد منها ،فقال بعضهم: "ما ابتلي المؤمن ببلية شر من المعصية الخفية، ولا أوتي دواءً خيرا من طاعة الخفاء".
الخبيئة السيئة تحدث بسبب عجز العبد وتمكن الشيطان منه في أوقات الخلوة والغفلة.
خطر الخبيئة السيئة:
ذنوب الخلوات هي من أعظم المهلكات وأصل الانتكاسات للقلوب، حيث يرتكبها العبد بعيداً عن أعين الناس ناسياً نظر الله سبحانه وتعالى إليه ، فخطرها كبير على العبد فهي...
1ـ سرطان القلوب والنفوس: تنخر في إخلاص القلب وتضعف الحواجز الإيمانية.
لأن العبد استسلم للمعصية، فبذرت المعصية من حيث لا يدري نبتة خبيثة هذه النبتة تسمى خبيئة سيئة فهي تنمو وتترعرع في قلبه طالما أنه لم يعمل على مجاهدتها بصدق واجتثاثها من جذورها.
2ـ جرأة على المعصية: تدفع الإنسان لارتكاب الذنوب في الخلوات، فهي التي تنخر في الحواجز والأسوار المحيطة بإخلاص القلب لله لتهدمها، وتثير بواعث السوء في النفس؛ كي يتجرأ العبد على معصية الله فيرتكبها!!
كان السلف يرتعدون من هذا المفهوم؛ لأن ذنب السر يكشف عن قلة تعظيم الله في القلب مقارنة بالخلق، مما يعرض الطاعات الظاهرة للبطلان.
3ـ حجب الغفلة: تورث العبد غفلة عن عظمة الله وعواقب المعاصي، فتلقى على العقل أستاراً من حجب الغفلة لتحول بينه وبين إدراكه لهول وعظم تلك المعصية فيقترفها!! فيفقد العبد حلاوة الطاعة وحلاوة الآخرة.
وقال بشر: "لا يجد حلاوة الآخرة رجل يحب أن يعرفه الناس".
4ـ بذرة النفاق: تخلق ازدواجية بين الظاهر الحسن والباطن المخالف، فتنبت في قلب العبد نبتة النفاق التي تجعله يعيش ازدواجية مقيتة بين حقيقة نفسه وعجزها، وبين ما يظن فيه الناس من الخير الظاهر!!
5ـ إحباط الأعمال:
لقد أخبر النبي (ﷺ) أن من فعل ذلك تحبط أعمالهم وتكون حسناتهم يوم القيامة هباءً منثوراً إذا انتهكوا محارم الله في السر، فعن ثوبان مولى رسول الله (ﷺ)}لَأَعلَمَنَّ أقْوامًا مِن أُمَّتي يَأتونَ يَوْمَ القِيامةِ بحَسَناتٍ أمْثالِ جِبالِ تِهامةَ بِيضًا، فيَجعَلُها اللهُ عَزَّ وجَلَّ هَباءً مَنْثورًا!! قالَ ثَوْبانُ: يا رَسولَ اللهِ، صِفْهم لنا، جَلِّهم لنا ألَّا نكونَ مِنهم ونحن لا نَعلَمُ، قالَ: «أَمَا إنَّهم إخْوانُكم، ومِن جِلْدتِكم، ويَأخُذونَ مِن اللَّيْلِ كما تَأخُذونَ، ولكنَّهم أقْوامٌ إذا خَلَوا بمَحارِمِ اللهِ انْتَهَكوها{.] حديث حسن[
ورحم الله الزاهد الورع بشر بن الحارث حيث قال: }لا أعلم رجلاً أحب أن يُعرف إلا ذهب دينه وافتضح.
6ـ المقت وسقوط المنزلة:
قال أبو الدرداء رضي الله عنه: }ليحذر أحدكم أن تلعنه قلوب المؤمنين من حيث لا يشعر! يخلو بمعاصي الله، فيلقي الله بغضه في قلوب المؤمنين{
ذنوب الخلوات تترك أثراً خفياً يظهر في تعامل الناس مع العبد؛ فالقلوب تتناجى، والله يكسو العاصي في السر ثوب المقت في العلانية.
6ـ سوء الخاتمة:
الخبيئة السيئة هي التي يدخرها الشيطان للانقضاض بها على العبد لحظة احتضاره عياذاً بالله أملاً في قوة تأثيرها عليه في تلك اللحظة الفاصلة؛ بما استفحلت في قلبه على مدى أيام عمره ليحول بينه وبين حسن الخاتمة نسأل الله العافية!!
قال ابن رجب الحنبلي:} خاتمة السوء تكون بسبب خبيئة سيئة للعبد لا يطلع عليها الناس{ .
عند الاحتضار، يضعف العقل البشري وتظهر الحقائق المخبوءة في القلب، فإذا كانت الخلوات مليئة بالذنوب، غلبت على العبد في لحظاته الأخيرة.
العنصر الثامن: العوامل المعينة على بناء الخبيئة الصالحة، والتخلص من الخبيئة السيئة:
كان للسلف أساليب عملية صارمة لمنع أنفسهم من السقوط عند الانفراد، حيث أن التخلص من الخبيئة السيئة وبناء الخبيئة الصالحة يتطلب خطوات عملية تركز على مراقبة القلب وتغيير العادات في الخلوات:
1ـ استشعار رقابة الله:
استشعار مراقبة الله تعالى :هو علم القلب بأن الله تعالى يرى ويسمع ويحيط بكل أمر العبد في السر والعلن.
وهو أساس الإحسان الذي يقود المسلم لترك المعاصي وإتقان الطاعات.
ودوام علم العبد بأن الله مطلع عليه في كل وقت.
واستحضار قرب الله تعالى في الخلوات والجلوات.
واليقين بأن الخواطر والنيات مكشوفة لله سبحانه.
وأن تعبد الله كأنك تراه ببصيرتك وقلبك.
وأن تعمد لطاعته وأنت تعلم أنه يراك ويحصي عملك.
ولا تجعل الله أهون الناظرين إليك ، قيل لجنيد البغدادي: بمَ يُستعان على غض البصر؟ قال: « بعلمك أن نظر الله إليك أسبق من نظرك إلى ما تنظره .!».
هذه قاعدة ذهبية في التعامل مع الأجهزة والشاشات اليوم؛ تذكر دائماً أن الله ينظر إليك قبل أن تقع عينك على الذنب.
ولزيادة استشعار مراقبة الله تعالى:
تذكر أن الله تعالى يتابع أدق تفاصيلك، واستحضر أن الله تعالى يشهد عملك كله،
اليقين التام بأن الله تعالى يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.
واليقين بأن رؤيته لك في أشد الظلمات.
وتدريب النفس في الخلوات على مجاهدة وتجنب المعاصي عند غياب الناس.
واستحضار نظر الله قبل المعصية.
قال ابن رجب: " راود رجل امرأة في فلاة ليلا فأبت، فقال لها: ما يرانا إلا الكواكب، فقالت: فأين مكوكبها ". أي: أين الله
وتخصيص عبادات سرية لا يعلمها أحد، ومحاسبة النفس اليومية، وإلزامها بالاستقامة بداية اليوم، ومتابعة الأعمال أثناء أدائها وإخلاصها، ومراجعة الأخطاء والتقصير نهاية اليوم.
واستحضار شهادة الجوارح يوم القيامة } يَوۡمَ تَشۡهَدُ عَلَيۡهِمۡ أَلۡسِنَتُهُمۡ وَأَيۡدِيهِمۡ وَأَرۡجُلُهُم بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ (24){ ] النور[ وقال تعالى } حَتَّىٰٓ إِذَا مَا جَآءُوهَا شَهِدَ عَلَيۡهِمۡ سَمۡعُهُمۡ وَأَبۡصَٰرُهُمۡ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ (20) وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمۡ لِمَ شَهِدتُّمۡ عَلَيۡنَاۖ قَالُوٓاْ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِيٓ أَنطَقَ كُلَّ شَيۡءٖۚ وَهُوَ خَلَقَكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةٖ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ (21) وَمَا كُنتُمۡ تَسۡتَتِرُونَ أَن يَشۡهَدَ عَلَيۡكُمۡ سَمۡعُكُمۡ وَلَآ أَبۡصَٰرُكُمۡ وَلَا جُلُودُكُمۡ وَلَٰكِن ظَنَنتُمۡ أَنَّ ٱللَّهَ لَا يَعۡلَمُ كَثِيرٗا مِّمَّا تَعۡمَلُونَ (22) وَذَٰلِكُمۡ ظَنُّكُمُ ٱلَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمۡ أَرۡدَىٰكُمۡ فَأَصۡبَحۡتُم مِّنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ (23){ ] فصلت[
واستحضار كتابة الملكين لكل صغيرة وكبيرة. قال تعالى} وَإِنَّ عَلَيۡكُمۡ لَحَٰفِظِينَ (10) كِرَامٗا كَٰتِبِينَ (11) يَعۡلَمُونَ مَا تَفۡعَلُونَ (12){ ] الانفطار[ وقال تعالى:} وَوُضِعَ ٱلۡكِتَٰبُ فَتَرَى ٱلۡمُجۡرِمِينَ مُشۡفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَٰوَيۡلَتَنَا مَالِ هَٰذَا ٱلۡكِتَٰبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةٗ وَلَا كَبِيرَةً إِلَّآ أَحۡصَىٰهَاۚ وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرٗاۗ وَلَا يَظۡلِمُ رَبُّكَ أَحَدٗا (49){ ] الكهف [
2ـ تدبر معاني الإخلاص:
الإخلاص :هو لبّ العبادة، وحقيقة الدين، والسبب الأول لقبول الأعمال عند الله سبحانه وتعالى.
وهو: إفراد الله عز وجل بالقصد في الطاعة، وتطهير العمل من ملاحظة المخلوقين. دون الرغبة في رياء، أو سمعة، أو مدح من الناس.
وهو سر بين العبد وربه، لا يعلمه ملك فيكتبه، ولا عدو فيفسده.
فيحرص المخلص على إخفاء أعماله الصالحة (كصدقة السر، وصلاة الليل) كما يخفي الناس سيئاتهم.
فالتربية على الإخلاص لله سبحانه وتذكير النفس به دائمًا هي الدافع الأول على عمل السر, ذلك أن الباعث على عمل السر هو أن يكون العمل لله وحده وأن يكون بعيدًا عن رؤية الناس, فعلى المربين تطبيق معاني الإخلاص في أمثال ذلك السلوك الخفي أثناء تدريسه للناس, وحثهم على عمل السر من منطلق الإخلاص لله سبحانه.
3ـ الاعتراف الفوري بالذنب والمداومة على الاستغفار:
التوبة المباشرة بعد الذنب تمنع تراكم النكت السوداء على القلب، ويرسخ الاستغفار يقين العبد بأن الله يراه في سره وعلانيته، حيث ينتقل العبد من الحياء من الخلق إلى الحياء من الخالق، ثم تدفع التوبة العبد لإصلاح باطنه ليوافق ظاهره الصالح.
4ـ استواء ذم الناس ومدحهم:
وهو معنى لو تربى عليه المرء لأعانه على عمل السر, إذ إنه لا تمثل عنده رؤية الناس شيئًا, سواء مدحوه لفعله أو ذموه له؛ لأن مبتغاه رضا ربه سبحانه وليس رضا الناس, وقد سبق أن بعض العلماء كان يُعَلِّم تلاميذه فيقول لهم: "اجعلوا الناس من حولكم كأنهم موتى". حيث يعلم أن إرضاء الناس غاية لا تدرك، ولكن إرضاء الله هو الممكن ، حيث يعلم أنه لا يسلم من ألسنة الخلق ، وكما قال الشاعر:
ولست بناج من مقالة طاعن ... ولو كنت في غار على جبل وعر
ومن ذا الذي ينجو من الناس سالما ... ولو غاب عنهم بين خافيتي نسر
فالمخلص يستوي عنده المدح والذم، فلا تهتم بنظر الخلق ولكن اهتم بنظر الخالق سبحانه وتعالى إليك ، قال الإمام الشافعي: «أعز الأشياء ثلاثة: الجود من قلة، والورع في خلوة، وكلمة الحق عند من يرجى ويخاف».
اعتبر الشافعي أن العبادة والورع في الخلوة من أصعب الأمور وأعزها؛ لأن الوازع هنا يكون إيمانياً خالصاً دون أي رياء أو نفاق.
5ـ تقوية مفهوم كمال العمل:
وأقصد بذلك أن يتعلم المسلم أنه يجب أن يسعى إلى أن يكتمل عمله وتكمل كل جوانبه ليحسن ويُقبل, وإن العمل الذي لا يراه الناس يُرجى فيه الكمال أكثر مما يُرجى في غيره, فينبغي الاهتمام به أكثر.
6ـ صدقة السر:
قال تعالى {إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُم (271)} [البقرة].
فهي طريقة عملية سهلة لتطبيق عمل السر عمليًا, فبالإكثار من صدقة السر يُعَود الإنسان نفسه على أعمال السر ويتشربها قلبه وتركن إليها نفسه, وقد ذكر أهل العلم بعضًا من الفضائل في صدقة السر منها:
أن صدقة السر أستر على الآخذ وأبقى لمروءته وصونه عن الخروج عن التعفف , ومنها أنها أسلم لقلوب الناس وألسنتهم؛ فإنهم ربما يحسدون أو ينكرون عليه أخذه ويظنون أنه أخذ مع الاستغناء , ومنها أنها أقرب إلى الأدب في العطاء.
7ـ تغيير بيئة الخلوة:
تجنب الانفراد التام بالهاتف أو الإنترنت عند الشعور بالضعف، واجعل أجهزتك في أماكن مفتوحة، واجعل باب الغرفة مفتوحاً دائماً، أو انقل مكتبك وجهازك إلى مكان مشترك بالمنزل.
8ـ تجفيف منابع الذنب (قطع الوسائل):
احذف التطبيقات، الحسابات، أو المواقع التي تذكرك بالذنب أو تسهل الوصول إليه، وضع فلاتر حماية على أجهزتك.
9ـ كسر العزلة السلبية قاعدة "لا تنفرد":
تجنب البقاء وحيداً لفترات طويلة دون هدف، خاصة في أوقات الفراغ أو الليل.
10ـ النوم المنضبط:
لا تذهب إلى الفراش إلا وأنت في غاية النعاس، وتجنب تصفح الهاتف وأنت مستلقٍ في الظلام.
11ـ طاعة بديلة في نفس مكان الذنب:
إذا كانت غرفتك مكاناً للذنب سابقاً، فصلي فيها قيام الليل، أو اقرأ فيها القرآن لتتغير ارتباطات عقلك بهذا المكان.
عاهد نفسك عهداً غليظاً أنك إذا وقعت في الذنب، ستقوم فوراً لتتوضأ وتصلي ركعتي توبة، وتتصدق بمبلغ بسيط ، هذا يجعل الشيطان يندم أنه دفعك للذنب؛ لأنك تخرج منه بحسنات أكبر.
12ـ الاستعانة بالخوف والرجاء:
تذكر دائماً أمرين: خوفك من أن يدركك الموت وأنت على المعصية في خلوتك، ورجاؤك في عظم الأجر الموعود لمن ترك المعصية خوفاً من الله وحده.
13ـ الإلحاح على الله في الدعاء:
الاستعانة بالله وسؤاله الثبات وصلاح السريرة "اللهم اجعل سريرتي خيراً من علانيتي".
وهذه طائفة من أدعية السلف الصالح والصحابة الكرام، والتي كانوا يلحون بها لإصلاح الباطن، وتطهير الخلوات، ومقاومة وساوس النفس.
أدعية مأثورة من السنة النبوية (كان السلف يداومون عليها)
دعاء إصلاح الباطن والظاهر:}اللَّهُمَّ اجْعَلْ سَرِيرَتِي خَيْرًا مِنْ عَلانِيَتِي، وَاجْعَلْ عَلانِيَتِي صَالِحَةً{ كان يدعو به سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه أيضاً.
دعاء تطهير القلب من النفاق الخفي: }اللَّهُمَّ أَعِذْنِي مِنْ رِياءِ السُّمْعَةِ، وَنِفَاقِ الْعَمَلِ، وَسُوءِ الطَّوِيَّةِ».
دعاء تقوى النفس وزكاتها: }اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلاهَا{ .
دعاء التحصين من شرور النفس:}اللَّهُمَّ أَلْهِمْنِي رُشْدِي، وَأَعِذْنِي مِنْ شَرِّ نَفْسِي{
ثانياً: أدعية وأقوال السلف الصالح في خلواتهم
دعاء أبي بكر الصديق رضي الله عنه: }اللَّهُمَّ اجْعَلْ خَيْرَ زَمَانِي آخِرَهُ، وَخَيْرَ عَمَلِي خَوَاتِيمَهُ، وَخَيْرَ أَيَّامِي يَوْمَ أَلْقَاكَ فِيهِ{ لأن خواتيم الأعمال ترتبط بصلاح السريرة.
دعاء الإمام يحيى بن معاذ الرازي: }إلهي، كيف أفرح وقد عصيتك؟ وكيف لا أفرح وقد عرفتك؟ اللَّهُمَّ طهِّر قلبي من كل وصفٍ يباعدني عن مشاهدتك ومحبتك{
دعاء سفيان الثوري في سجوده ليلاً: }اللَّهُمَّ إنك تعلم أني أخافك في العلانية، فاجعل خوفي منك في السر أعظم، وطهِّر سريرتي من الرياء وعمل السوء{
دعاء مطرف بن عبد الله بن الشخير}اللَّهُمَّ إني أستغفرك مما تبت إليك منه ثم عدت فيه، وأستغفرك مما جعلته لك على نفسي ثم لم أوفِ لك به، وأستغفرك مما زعمت أني أردت به وجهك فخالط قلبي منه ما قد علمت{
وهذه صيغ من أدعية التابعين وعلماء الأمة في صلواتهم وخلواتهم لإصلاح الباطن:}اللَّهُمَّ لا تزينِّي للناس بما يشينني عندك، ولا ترفعني في أعين الخلق وأنا عندك من الصاغرين{.
}اللَّهُمَّ إني أعوذ بك أن أكون حَسَنَ السَّمْتِ (المظهر) في عيون الناس، خَرِبَ الباطنِ عندك{
}اللَّهُمَّ ارزقني خشيتك في الغيب والشهادة، واجعل سري كعلانيتي في طاعتك{
14ـ "الإحلال والتعويض" (ملء الفراغ) برنامج يومي صارم:
غالباً ما تبدأ ذنوب الخلوات عند الشعور بـ (الملل، الحزن، التوتر، أو الإرهاق والفراغ ).
اشغل وقت فراغك فوراً بنشاط بدني أو عقلي بمجرد ورود الفكرة السيئة، لأن النفس إن لم تشغلها بالطاعة شغلتك بالمعصية.
املأ وقت فراغك بجدول محدد (رياضة، قراءة، تطوير مهارة، دورة تدريبية).
النفس إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل.
العنصر التاسع: جدول عملي لبناء خبيئة صالحة ،والتخلص من الخبيئة السيئة:
هذا الجدول العملي مصمم على مدار 21 يوماً (المدة العلمية الأدنى لتفكيك العادات القديمة وبناء عادات جديدة)، ويعتمد على تقسيم اليوم إلى فترات حرجة واستبدال المثيرات بموانع عملية.أولاً: خطة الطوارئ اليومية (تقسيم الفترات الحرجة)
الفترة الزمنية
خطورة الانتكاس
الإجراء الوقائي العملي
البديل الإيجابي (الخبيئة)
الصباح الباكر
)فور الاستيقاظ(
متوسطة (تصفح الهاتف في السرير)
اترك الهاتف بعيداً عن السرير ليلاً.
لا تلمسه إلا بعد مغادرة الغرفة.
أذكار الصباح فوراً،
أوالوضوء وصلاة ركعتين.
فترة الظهيرة
العصر(وقت الفراغ)
منخفضة إلى متوسطة
تجنب الجلوس وحيداً دون هدف.
ضع قائمة مهام يومية صارمة.
صلاة السنن الرواتب،
أو قراءة صفحتين من القرآن.
المساء
قبل النوم بـ 2-3 ساعات
مرتفعة جداً (خلوة، تعب، هاتف)
قاعدة الغرفة المفتوحة: اترك باب الغرفة مفتوحاً اشحن الهاتف في الصالة أو بعيداً عن يدك.
الاستماع إلى درس ديني أو بودكاست نافع حتى النوم.
الأسبوع الأول (أيام 1 - 7): مرحلة الفطام وكسر الحواجز
الهدف: منع الوصول السهل للمثيرات الرقمية أو البصرية.
التطبيق اليومي:
ـ تفعيل تطبيقات حظر المواقع أو قفل الهاتف بوقت محدد .
ـ إلغاء متابعة أي حساب أو منصة تثير الوساوس فوراً.
خبيئة الأسبوع: استغفار خفي (100 مرة) في الخلوة كلما خطرت الفكرة السيئة بالبال.
الأسبوع الثاني (أيام 8 - 14): مرحلة ترميم الفراغ وبناء البدائل
الهدف: ملء الفراغ النفسي والزمني الناتج عن ترك العادة.
التطبيق اليومي:
ـ إدخال نشاط بدني (رياضة، مشي) في الوقت الذي كنت تختلي فيه بنفسك عادةً.
إذا اضطررت للخلوة بجهازك، اجلس في مكان مشترك في المنزل (الصالة، المطبخ).
خبيئة الأسبوع: إخراج صدقة سر إلكترونية أو نقدية (ولو بمبلغ بسيط جداً) بنية التطهير.
الأسبوع الثالث (أيام 15 - 21): مرحلة التثبيت وصيانة السريرة
الهدف: تحويل الامتناع إلى نمط حياة مستقر واستشعار لذة الطاعة.
التطبيق اليومي:
تقييم أسبوعي: كتابة الأوقات التي ضعفت فيها ووضع حلول لها.
ـ تعزيز النوم المبكر لقطع وقت الفراغ الليلي تماماً.
خبيئة الأسبوع: صلاة ركعتين قيام ليل (الوتر) في الظلام التام قبل النوم مباشرة.
ثالثاً: قاعدة "الـ 5 ثوانٍ" عند ورود الوسوسة
بمجرد أن تشعر برغبة في الانعزال أو فتح موقع سيئ، عد تنازلياً (5.. 4.. 3.. 2.. 1) ثم تصفح هاتفاً آخر، أو قم من مكانك وغير الغرفة فوراً.
التأخير يمنح عقلك فرصة لتبرير المعصية.
جدول الورد اليومي للأدعية، وخطة تحويل الهاتف إلى منصة لبناء الخبايا الصالحة.
و توزيع أدعية السلف بناءً على الأوقات التي يقل فيها الرياء وتزداد فيها فرص الإجابة:
وقت الاستجابة
الدعاء المحدد
الطريقة والهدف
أثناء السجود
في الصلوات
المفروضة
اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَ اهَا،
وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا
اللَّهُمَّ أَلْهِمْنِي رُشْدِي،
وَأَعِذْنِي مِنْ شَرِّ نَفْسِي
كررها في السجود الأخير؛
لأن العبد يكون أقرب ما يكون من ربه وهو ساجد لتثبيت النفس ضد
الشهوات الخفية.
وقت السحر
الـ 30 دقيقة
قبل أذان الفجر
اللَّهُمَّ اجْعَلْ سَرِيرَتِي
خَيْرًا مِنْ عَلانِيَتِي، وَاجْعَلْ
عَلانِيَتِي صَالِحَةً"اللَّهُمَّ إني أعوذ بك أنأكون حَسَنَ
المظهر في عيون الناس،
خَرِبَ الباطنِ عندك"
هذا وقت النزول الإلهي؛ الدعاء فيه
يقطع دابر النفاق الخفي ويبني حاجزاً
نفسياً صلباً ضد ذنوب الليل.
بين الأذان
والإقامة
في المسجد
أو مصلاك
اللَّهُمَّ طهِّر سريرتي
من الرياء
وعمل السوء، وارزقني
خشيتك
في الغيب والشهادة
وقت إجابة لا يرد فيه الدعاء؛
يستهدف حماية
الأعمال الظاهرة من الفساد.
أذكار المساء
عصرًا
أو مغربًا
اللَّهُمَّ إني أستغفرك
مما زعمت
أني أردت به وجهك فخالط
قلبي منه ما قد علمت
مراجعة ومحاسبة لنوايا اليوم قبل
الدخول في فترة الليل الحرجة.
أخي المسلم ..
اسأل نفسك الآن : ما هي العبادة التي تعملها والتي لا يعلمها أحد من الناس ؟
استغفار بالأسحار ؟؟ دمعة في خلوة ؟؟ صدقة سر ؟؟ أو إصلاح بين الناس ؟؟
أو صلاة بالليل والناس نيام ؟؟
لتكن لنا خبيئة صالحة ندّخرها ليوم فقرنا وذُلّنا، ليوم تشخص فيه الأبصار...
ليوم تُبْلى فيه السرائر.. ليوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
كن من الأخفياء الذين بينهم وبين ربهم أسرار وأسرار حتى أحبهم الله تعالى.
الذي لا يحبون الظهور، كن من الجنود المجهولين الذين يُعرفون في السماء ولا
يعرفون في الأرض، "رب مجهول في الأرض مشهور عند الله تعالى"
كما قال ابن مسعود: "كونوا ينابيع العلم، مصابيح الهدى، أحلاس البيوت، سرج الليل، جدد القلوب، خلقان الثياب؛ تعرفون في السماء، وتخفون على أهل الأرض".
كن من الراكعين الساجدين في ظلام الليل، ومن الذين يسعون في صمت وبعيدا عن الأضواء والضوضاء في حاجة الضعفاء والمساكين والأرامل والأيتام والمكروبين، من الناصحين المخلصين.
فما أحوج أمتنا إلى هذا الصنف من الناس؛ فبهم يرزقون وبهم ينصرون.
تمت بحمد الله تعالى وتوفيقه
رابط pdf
https://top4top.io/downloadf-3883w86li1-pdf.html
رابط doc
https://top4top.io/downloadf-3883jp3lp2-docx.html

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق