السبت، 29 أغسطس 2026

قصة أصحاب السبت دروس وعبر

 


الحمد لله رب العالمين ... جعل في قصص الأولين عبرة للمعتبرين، ونوراً يستضيء به السائرون في دروب الحق واليقين، فقال تعالى} لَقَدۡ كَانَ فِي قَصَصِهِمۡ عِبۡرَةٞ لِّأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِۗ مَا كَانَ حَدِيثٗا يُفۡتَرَىٰ وَلَٰكِن تَصۡدِيقَ ٱلَّذِي بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَتَفۡصِيلَ كُلِّ شَيۡءٖ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ (111){  ]يوسف[
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له .. جعل القصة في القرآن لتثبيت الإيمان فقال تعالى } وَكُلّٗا نَّقُصُّ عَلَيۡكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِۦ فُؤَادَكَۚ وَجَآءَكَ فِي هَٰذِهِ ٱلۡحَقُّ وَمَوۡعِظَةٞ وَذِكۡرَىٰ لِلۡمُؤۡمِنِينَ (120){ ] هود[
وأشهد أن سيدنا محمد رسول الله (ﷺ) حذرنا مما وقعت فيه الأمم السابقة من الهلاك والضلال، فقص علينا أخبار السابقين للعبرة والعظة ، وربى الأمة على الإيمان بالله تعالى فروي عن جندب بن عبد الله رضي الله عنه: قال:}كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ (ﷺ) وَنَحْنُ فِتْيَانٌ حَزَاوِرَةٌ فَتَعَلَّمْنَا الْإِيمَانَ قَبْلَ أَنْ نَتَعَلَّمَ الْقُرْآنَ، ثُمَّ تَعَلَّمْنَا الْقُرْآنَ فَازْدَدْنَا بِهِ إِيمَانًا{.] أخرجه ابن ماجة[  ]والحزاورة هم الفتيان الذين قاربوا البلوغ[
 فاللهم صل على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين.
أما بعــد...
 فإن قصص القرآن الكريم ليست مجرد حكايات تُروى للتسلية، بل هي سنن إلهية ثابتة وقوانين ربانية لا تبلى، ومن بين هذه القصص التي تحمل في طياتها دلالات عميقة وتوجيهات تربوية بالغة، تأتي "قصة أصحاب السبت"؛ لتكشف لنا بوضوح عن طبيعة النفس البشرية حين تتملص من التكاليف الشرعية، وتبين عاقبة المخادعة والتحايل على أحكام الله تعالى، مما يجعل من دراستها ضرورة ملحة لحماية المجتمع من مظاهر النفاق والالتفاف على حدود الشريعة.
لذلك كان موضوعنا "قصة أصحاب السبت دروس وعبر " وذلك من خلال هذه العناصر الرئيسية التالية...
1ـ تعريف  بقصة أصحاب السبت.
2ـ طبيعة اليهود في القرآن الكريم.
خطورة التحايل على شرع الله وفارق العقيدة بين الظاهر والباطن.
4ـ وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأنه سبب لنجاة الأمم.
5ـ شؤم المعصية وأثرها في مسخ القلوب والطباع قبل الأبدان.
6. الدروس والعبر المستفادة من قصة أصحاب السبت.
7. الخاتمة.
العنصر الأول: تعريف  بقصة أصحاب السبت:
قصة أصحاب السبت هي من قصص القرآن الكريم التي تروي قصة قوم من بني إسرائيل تحايلوا على أوامر الله فكان عقابهم شديداً بالمسخ.
تلخص القصة أهمية الطاعة المطلقة، وعواقب التحايل على شرع الله، وضرورة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
مكان الحدث:
كانت تعيش جماعة من بني إسرائيل في قرية ساحلية (قيل إنها "أيلة" على شاطئ البحر الأحمر).
طبيعة الابتلاء الإلهي وأسبابه.
فرض الله عليهم يوم السبت ليكون يوماً للراحة والعبادة، وحرّم عليهم فيه صيد الأسماك أو العمل الدنيوي ، حيث كانت الأسماك تأتي بكثرة طافية على السطح
يوم السبت (يوم تحريم الصيد)، وتختفي تماماً بقية أيام الأسبوع.
فكانت الحكمة من هذا الابتلاء اختبار الصبر والامتثال لأوامر الله، بظهور الأسماك يوم السبت بكثرة فوق الماء، واضحة وقريبة منهم، بينما في بقية أيام الأسبوع كانت الأسماك تغيب ولا تظهر، حيث عجزت فئة من أهل القرية عن الصبر.
3ـ  الحيلة الخبيثة وبداية العصيان:
ـ طريقة التحايل (وضعوا الشباك والحواجز يوم الجمعة، لتجتمع فيها الأسماك يوم السبت، ثم يأخذونها يوم الأحد.).
4ـ انقسام المجتمع وموقف الفئات الثلاث:
أمام هذا الاختبار الإلهي، انقسم أهل القرية إلى ثلاث فرق:
أ ـ المخالفون (العصاة):
وهم فئة عصت وتحايلت حيث ضعفت نفوسهم أمام كثرة الأسماك، فتحايلوا على شرع الله، فكانوا ينصبون الشباك والحواجز يوم الجمعة، فإذا جاء السبت ووقعت الأسماك فيها تركوها، ثم جمعوها يوم الأحد، وبذلك ظنوا أنهم نجوا من الاصطياد المباشر يوم السبت.
ب ـ الناصحون (المؤمنون):
وهم الفئة الصالحة الإيجابية التي أنكرت هذا الفعل، ونهت المخالفين عن التحايل والعصيان محذرين إياهم من غضب الله وعذابه. وكان ردهم على المثبطين المعوقين السلبيين الذين قالوا لا تتعبوا أنفسكم لا فائدة فيما تفعلونه } قَالُوا مَعْذِرَةً
إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ{
ج ـ المتخاذلون: (الفئة السلبية):
وهي فئة سلبية اعتزلت ولم تكتفي باعتزالها بل كانت تثبط الناصحين وتلومهم بحجة عدم جدوى الإصلاح ، قائلين لهم }وَإِذۡ قَالَتۡ أُمَّةٞ مِّنۡهُمۡ لِمَ تَعِظُونَ قَوۡمًا ٱللَّهُ مُهۡلِكُهُمۡ أَوۡ مُعَذِّبُهُمۡ عَذَابٗا شَدِيدٗاۖ{ فكان رد الناصحين أنهم يفعلون ذلك لتبرئة ذمتهم أمام الله، ولعلهم يرجعون عن عصيانهم.
5ـ العقوبة الإلهية وسنة المسخ:
عندما أصر المخالفون على غيهم وتجاوزوا حدود الله، وقع العذاب الإلهي، فأخذ الظالمين بعذاب شديد، حيث مسخهم الله إلى قردة خاسئين كما قال الله تعالى} فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ فَلَمَّا عَتَوْا عَن مَّا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ{ وأصبحوا عبرة وعظة.
ونجّى الله الفئة الصالحة التي كانت تنهى عن السوء،} أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ{ فالأمر بالمعروف والنهي  عن المنكر هو (صمام أمان المجتمع).
كما قال النبي (ﷺ) عن النعمان بن بشير رضي الله عنه ، أن النبي (ﷺ) قال}مَثلُ القائمِ علَى حدودِ اللَّهِ ، والمُدَّهِنِ فيها ، كمَثلِ قَومٍ استَهَموا علَى سفينةٍ في البحرِ فأصابَ بعضُهُم أعلاها ، وأصابَ بعضُهُم أسفلَها ، فَكانَ الَّذينَ في أسفلِها يصعدونَ فَيستَقونَ الماءَ فَيصبُّونَ علَى الَّذينَ في أعلاها فقالَ الَّذينَ في أعلاها : لا ندعُكُم تصعَدونَ فتؤذونَنا ، فقالَ الَّذينَ في أسفلِها : فإنَّا نثقُبُها في أسفلِها فنَستَقي ، فإن أخذوا علَى أيديهِم فمنَعوهُمْ نجَوا جميعًا وإن ترَكوهُم غرِقوا جميعًا{ ] أخرجه البخاري[
الآيات القرآنية التي ذكرت القصة:
قال تعالى:} وَسۡـَٔلۡهُمۡ عَنِ ٱلۡقَرۡيَةِ ٱلَّتِي كَانَتۡ حَاضِرَةَ ٱلۡبَحۡرِ إِذۡ يَعۡدُونَ فِي ٱلسَّبۡتِ إِذۡ تَأۡتِيهِمۡ حِيتَانُهُمۡ يَوۡمَ سَبۡتِهِمۡ شُرَّعٗا وَيَوۡمَ لَا يَسۡبِتُونَ لَا تَأۡتِيهِمۡۚ كَذَٰلِكَ نَبۡلُوهُم بِمَا كَانُواْ يَفۡسُقُونَ (163) وَإِذۡ قَالَتۡ أُمَّةٞ مِّنۡهُمۡ لِمَ تَعِظُونَ قَوۡمًا ٱللَّهُ مُهۡلِكُهُمۡ أَوۡ مُعَذِّبُهُمۡ عَذَابٗا شَدِيدٗاۖ قَالُواْ مَعۡذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمۡ وَلَعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ (164) فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِۦٓ أَنجَيۡنَا ٱلَّذِينَ يَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلسُّوٓءِ وَأَخَذۡنَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابِۭ بَـِٔيسِۭ بِمَا كَانُواْ يَفۡسُقُونَ (165) فَلَمَّا عَتَوۡاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنۡهُ قُلۡنَا لَهُمۡ كُونُواْ قِرَدَةً خَٰسِـِٔينَ (166){ ] الأعراف[
وذكرت قصة أصحاب السبت في سورة البقرة والنساء والنحل.
العنصر الثاني : طبيعة اليهود في القرآن الكريم:
ذكر القرآن الكريم صفات متعددة لليهود (بني إسرائيل) في مواضع كثيرة؛ بياناً لأحوالهم، وتاريخهم، وما وقع منهم من انحرافات عقدية وسلوكية، مع الإشارة إلى أن الحكم ليس عاماً على كل أفرادهم فمنهم المؤمنون الصالحون، كما قال الله تعالى } لَيۡسُواْ سَوَآءٗۗ (113){ ] آل عمران[
الصفات الأخلاقية والسلوكية:
ـ نقض العهود والمواثيق: اشتهروا بنقض العهود التي أُخذت عليهم مع الله ورسله. قال تعالى }أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (100)} [البقرة].
ـ الغدر والخيانة: عُرفوا بنقض الأمانات وميلهم الدائم للخيانة. قال تعالى }وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّهُمْ(13)} [المائدة].
ـ قسوة القلوب: وصف القرآن قلوبهم بأنها قست حتى صارت كالحجارة أو أشد قسوة، قال تعالى }ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدَّ قَسْوَةً (74)} [البقرة].
ـ الحرص على الحياة: وصفهم القرآن بحرصهم الشديد على العيش وتفضيل الحياة الدنيا ولو كانت ذليلة ، قال تعالى }وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا(96)} [البقرة].
ـ السعي في الإفساد في الأرض وإشعال الحروب: إثارة الحروب والفتن ونشر الفساد في الأرض. قال تعالى} كُلَّمَآ أَوۡقَدُواْ نَارٗا لِّلۡحَرۡبِ أَطۡفَأَهَا ٱللَّهُۚ وَيَسۡعَوۡنَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَسَادٗاۚ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُفۡسِدِينَ (64) } [المائدة[
ـ أشد الناس عداوة وحسداُ لأهل الإيمان: على مدى الزمان، قال تعالى: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ(82)} [المائدة].
الانحرافات الدينية والعقدية:
ـ تحريف الكلم عن مواضعه: تغيير الكتب الإلهية وتأويلها على غير مراد الله.
قال تعالى{مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ(46)} [النساء].
ـ كتمان الحق: إخفاء ما يعلمونه من الحق والهدى طمعاً في مصالح دنيوية.
قال تعالى{وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ(42)} [البقرة]
ـ التطاول على الله عز وجل: نسبوا لله صفات النقص كالبخل أو قولهم إن الله فقير وهم أغنياء، قال تعالى{لَّقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ (181)} [آل عمران] ، وقال تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ۚ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ
وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا(64)} [المائدة].
ـ عناد الأنبياء وقتلهم: معصية رسلهم وتكذيبهم، بل والاعتداء على بعض الأنبياء بالقتل بغير حق. قال تعالى:{أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ(87)} [البقرة].
العنصر الثالث :خطورة التحايل على شرع الله:
يُعد التحايل على شرع الله (اتخاذ الحيل المحرمة لإسقاط الواجبات أو استباحة المحرمات) من أشد الآفات السلوكية والعقدية خطورة؛ كونه يجمع بين ارتكاب الذنب ومخادعة رب العالمين.
وقد ضرب القرآن الكريم والسنة النبوية بـ اليهود المثل الأبرز في هذا المسلك الذميم.
تتجلى خطورة هذا المسلك في الآتي:
1ـ الاستحقاق للعقوبة الإلهية والمَسخ:
حذر النبي (ﷺ) من سلوك هذا الدرب تالياً لسنن من مضى، فقال: «لا تَرْتَكِبُوا ما ارْتَكَبَتِ اليَهُودُ، فَتَسْتَحِلُّوا مَحارِمَ اللَّهِ بأدْنَى الحِيَلِ».
عاقب الله عز وجل أصحاب السبت من اليهود بـ المسخ عندما تحايلوا على أمر الله بنصب الشباك يوم الجمعة لأخذ الصيد يوم الأحد، قال تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ(65)} [البقرة].
2ـ فساد الدين والانتكاس النفسي:
تخريب العقيدة: المنطلق النفسي للمتحايل يقوم على توهم إمكانية مخادعة الله سبحانه، مما يقدح في توحيده وإيمانه بعلم الله المحيط.
تلاشي الورع: ينزع التحايل تعظيم حرمات الله من القلب، فيصبح العبد مستهيناً بالحدود، تهمّه الظواهر والصور الصورية دون المقاصد والحقائق الإيمانية.
3ـ استحلال الفواحش وضياع الحقوق:
يؤدي فتح باب الحيل إلى استباحة المحرمات القطعية بأسماء مستعارة؛ كاستحلال الربا باسم "البيوع المستحدثة أو الفوائد"، واستحلال الزنا بنكاح التحليل أو الأنكحة الصورية الفاسدة، وهو ما يدمّر السلم المجتمعي والأسري.
4ـ الطرد من رحمة الله تعالى:
لَعَنَ رسول الله (ﷺ) المحتالين في صور شتى لمخالفتهم مقاصد الشريعة، ومن ذلك قوله: «لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ»، لأنهم صيروا عقد النكاح الغليظ مجرد
حيلة صورية مؤقتة.
العنصر الرابع: وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأنه سبب لنجاة الأمم.
يُعدّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر القطب الأعظم في الدين، والركيزة الأساسية لحماية المجتمعات من الانهيار الأخلاقي والاجتماعي. وقد جعلته الشريعة الإسلامية صمام أمان يضمن بقاء الأمم ونجاتها من العقوبات الإلهية العامّة.
تتجلى أهمية هذا الواجب وكونه سبباً للنجاة في النقاط التالية:
1ـ صمام الأمان لنجاة المجتمع (مَثَل السفينة):
ضرب النبي (ﷺ) روع الأمثلة في تصوير المسؤولية المجتمعية؛ فبين أن المجتمع كركاب سفينة، إن تُرِك المفسدون يخرقون نصيبهم غرق الجميع، وإن أُخِذ على أيديهم نجا الجميع.
قال (ﷺ): «فإِنْ يَتْرُكُوهُمْ ومَا أرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعاً، وإنْ أخَذُوا علَى أيْدِيهِمْ نَجَوْا ونَجَوْا جَمِيعاً» [رواه البخاري].
2ـ الحماية من العقاب الإلهي العام:
السكوت عن المنكر يؤدي إلى شيوعه، وإذا شاع المنكر عمّ العقاب الصالح والطالح.
حذر النبي (ﷺ) من عاقبة التخاذل فقال: «إنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ مِنْهُ» [رواه أبو داود والترمذي].
3ـ النجاة الدنيوية والأخروية لأهل الإصلاح:
عند وقوع العذاب بالظالمين، ينجي الله عز وجل الفئة المصلحة التي باشرت الإنكار؛ كما حدث في قصة أصحاب السبت (التي تحايلت على شرع الله)، حيث انقسموا لثلاث طوائف (عاصية، وساكتة، وآمرة بالمعروف)، فكانت النجاة حصراً للآمرين.
قال تعالى: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ(165)} [الأعراف].
4ـ اشتراط الإصلاح لبقاء الأمم:
بيّن القرآن الكريم أن السنّة الإلهية في إهلاك الأمم الظالمة لا تقع على المجتمعات التي يسعى أهلها بالإصلاح الفعلي، فالصلاح الذاتي لا يكفي إن غاب الإصلاح المتعدي.
قال تعالى: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ(117)} [هود].
ولم يقل "وصالحون"؛ لأن المصلح يحمي المجتمع، أما الصالح فيقتصر صلاحه على نفسه.
العنصر الخامس: شؤم المعصية وأثرها في مسخ القلوب والطباع قبل الأبدان:
تُشير النصوص الشرعية والواقع الإنساني إلى أن للمعصية شؤماً معجلاً يبدأ أثره المدمر في داخل الإنسان أولاً، فيمسخ عقله، وقلبه، وطباعه، ويسلبها الفطرة السوية قبل أن يظهر أي أثر مادي أو بدني ، وهو ما يُعرف بـ "المسخ المعنوي"، وهو أشد فتكاً من المسخ الجسدي الظاهري.
تتجلى خطورة شؤم المعصية وأثرها في مسخ القلوب والطباع في النقاط الآتية:
1ـ المسخ القلبي (الران والختم):
تبدأ المعصية بنكتة سوداء في القلب، فإن لم يتب العبد تتابعت النكت حتى يغطى القلب كاملاً بـ "الران"، وهو الغشاء الساتر الذي يمنع دخول النور وخروج الظلمة.
قال تعالى: {كَلَّا ۖ بَلْ ۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ(14)} [المطففين].
إذا ران على القلب، مُسِخَ فلم يعد يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً، ويصبح مقلوباً لا تؤثر فيه المواعظ ولا تلامسه الآيات.
2ـ مسخ الطباع وانتكاس الفطرة :
المعصية المستمرة تُغير طبيعة الإنسان النفسية؛ فيتحول من اللين إلى القسوة، ومن الحياء إلى الوقاحة، ومن حب الطهر إلى الأنس بالخبيث.
يُمَسخ الطبع فيرى المحتال ذكياً، والصادق مغفلاً، والمتمسك بدينه متشدداً. هذا الانتكاس في المفاهيم هو أثر مباشر لشؤم الذنوب التي تطمس بصيرة الإنسان.
3ـ انقلاب الحواس (العَمى الصامت):
عندما يُمسخ القلب، تتبعها الحواس؛ فلا تنتفع العين بما تبصر، ولا الأذن بما تسمع، ويفقد المرء التوفيق في فهم الحق والعمل به، وكأنه يعيش مسخاً داخلياً مع بقاء جسده سويّاً.
قال تعالى في وصف هذا الصنف: {لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا ۚ أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ(179)} [الأعراف].
4ـ المسخ المعنوي كتمهيد للمسخ البدني:
عاقب الله بعض الأمم السابقة (كأصحاب السبت من اليهود) بـ المسخ البدني (قردة وخنازير) لأن قلوبهم وطباعهم مُسخت أولاً بالتحايل، والجرأة على الحرمات، وقسوة القلوب، فلم يكن مسخ أبدانهم إلا تجسيداً مادياً لما آلت إليه أرواحهم وطباعهم الدنيئة من محاكاة صفات تلك الحيوانات.
العنصر السادس: الدروس والعبر المستفادة من قصة أصحاب السبت:
تحمل قصة أصحاب السبت دروساً عظيمة وعبراً بالغة تحذر من التحايل على أحكام الله وتؤكد على وقوع الجزاء العادل على العصاة،
1ـ خطورة التحايل على شرع الله:
الحيل الخبيثة لتحليل المحرمات لا تغير حقيقتها، والجزاء يكون من جنس العمل.
ولا يخفي التحايل على الأوامر والنواهي الإلهية حقيقة العصيان، فالله يعلم السر
وأخفى.
استخدام الحيل للوصول إلى الحرام يعد استخفافاً بقدرة الله ومخادعة مكشوفة لا
تفيد صاحبها.
2ـ وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبيان أن السكوت على الباطل قد يعرض أصحابه للعقاب:
تبيّن القصة تقسيم المجتمع عند وقوع المعصية إلى: فاعل للمنكر، وآمر بالمعروف ناهٍ عنه، وساكت يئس من الإصلاح.
النجاة كانت من نصيب الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر، بينما حلّ العذاب بالظالمين ومن وافقهم أو سكت عنهم برضا.
3ـ خطورة السلبية والسكوت:
اعتزال الإنكار بحجة "عدم نفع النصح" مسلك خاطئ، فالنجاة في القصة كانت للناهين فقط.
عاقبة مخالفة أمر الله:
الوقوع في المعاصي واستباحة المحارم يجرّ على العباد العقوبات العاجلة والآجلة.
5ـ عاقبة السخرية والاستهزاء:
المسخ إلى قردة كان عقاباً مادياً ومعنوياً يناسب انحطاط نفوسهم وتحايلهم.
6ـ سنة الله لا تتبدل  :
الذنوب والمجاهرة بالمعاصي سبب رئيسي لزوال النعم وحلول النقم والهلاك العام.
السنن الإلهية لا تتغير في عقاب المجرمين والمتجاوزين لحدود الله متى استمروا
في غيهم دون توبة.
7ـ الابتلاء بالخير والشر:
كثرة الحيتان يوم السبت كانت اختباراً لمدى الصبر والالتزام، فالفتن تميز الخبيث
من الطيب.
الخاتمــــة ...
في ختام قصة أصحاب السبت، يتجلى لنا أن سنن الله تعالى ثابتة لا تبدل؛ فالمسخ الذي حلّ بالعاصين لم يكن لعجز في الحيلة، بل لجرأتهم على مخادعة علّام الغيوب واستحلال محارمه.
وتظل هذه القصة شاهدةً على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو طوق النجاة الوحيد للمجتمعات من العقاب العام، وأن الصلاح الذاتي لا يكفي دون إصلاح متعدٍّ، فالمتحايلون هلكوا بظلمهم، والساكتون شاركوهم الملامة، ولم ينجُ في كتاب الله إلا الذين ينهون عن السوء.
وقد أوضح القرآن الكريم مصير كل فريق فقال تعالى}فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ(165){ ]الأعراف[
وقد حذر تحذيرا شديدا من تكرار مسلكهم وشؤم عاقبتهم:}يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَىٰ أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ ۚ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا(47){ ]النساء[
أسأل الله تعالى أن يحفظنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن ، وأن يستعملنا لطاعته ولا يستبدل بنا غيرنا إنه ولي ذلك .
وصل الله وسلم على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا

والحمد لله رب العالمين

============ 

رابط pdf

https://top4top.io/downloadf-38931q4tw1-pdf.html

رابط doc

https://top4top.io/downloadf-38937u2jc2-docx.html


ليست هناك تعليقات:

المشاركة المميزة

قصة أصحاب السبت دروس وعبر

  الحمد لله رب العالمين ... جعل في قصص الأولين عبرة للمعتبرين، ونوراً يستضيء به السائرون في دروب الحق واليقين، فقال تعالى } لَقَدۡ كَانَ فِ...